العلاقات الامريكية مع حلف شمال الاطلسي (الناتو) بعد الحرب على ايران
م.د. رامي قصي عبود
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية / جامعة بغداد
المقدمة
تأسس حلف الشمال الأطلسي الناتو عام 1949 وشكّل حينها النطاق الرئيسي للأمن الجماعي الغربي في هيكل النظام الدولي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهو يُعَدّ من أبرز التحالفات الدولية في التاريخ المعاصر في مواجهة التهديدات الخارجية للحلفاء بدءً من الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة وتعزيز العلاقات الأمنية في ما بينها لاحقاً، غير أن التحوّلات التي يشهدها النظام الدولي وتصاعد قوى كبرى في العالم، وتشابك المصالح، تطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة تكيّف هذا التحالف مع هذه المستجدات المتغيّرة والمعقّدة.
اولاً: الهيمنة الأمريكية على قرار الناتو
منذ تأسيس الحلف فرضت الولايات المتحدة الامريكية هيمنتها على قراراته وخياراته الاستراتيجية؛ نتيجة تفوّقها العسكري والاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية مقارنة بالأوروبيين، وكان أبرز تجليات هذه الهيمنة حفاظ الولايات المتحدة دائماً على منصب القائد الأعلى مما منحها السيطرة الفعلية على العمليات العسكرية والتخطيط الاستراتيجي للحلف.
- المكاسب الأوروبية من حلف شمال الاطلسي
مثّل انضمام الدول الأوروبية إلى حلف الناتو خياراً استراتيجياً لتحقيق مجموعة من المصالح الحيوية في مقدمتها الأمن الجماعي والعباءة النووية الأمريكية الرادعة ضد التهديد السوفيتي خلال الحرب الباردة، ولاحقاً ضد التهديدات الروسية المتصاعدة وتعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي بين الدول، وفي ظل الاعتماد على الحماية العسكرية الأمريكية كانت الموارد المالية الأوروبية موجّهة نحو إعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي بدلاً من الإنفاق العسكري الضخم، وهذا ما جلب الرفاه والراحة للأوروبيين.
- المكاسب الامريكية من حلف الناتو
يُعدّ الحلف من المنظور الأمريكي استثماراً استراتيجياً طويل الأمد فهو يمنحها موطئ قدم عسكري وسياسي دائم في واحدة من أهم قارات العالم، فمن خلال القواعد العسكرية المنتشرة في أوروبا تستطيع الولايات المتحدة الامريكية استعراض قوّتها وبسط سلطتها والتدخل السريع في غرب آسيا وأفريقيا، ومن الناحية الاقتصادية تضمن استمرار التبعية الأوروبية للصناعات الدفاعية الأمريكية التكنولوجية والعسكرية، إذ تعتمد العديد من الجيوش الأوروبية على الأسلحة والمعدات الأمريكية، كما يشكّل الناتو أداة لتقاسم الأعباء فتسهم الدول الأوروبية بقوّاتها ومواردها في العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة كما جرى في أفغانستان والعراق.
ثانياً: الاختلاف في وجهات النظر في الحرب على إيران
شهد حلف شمال الأطلسي شرخاً كبيراً في مواقفه اتجاه الحرب الامريكية الاسرائيلية على إيران، وهو يعكس تحوّلات جوهرية في طبيعة العلاقات، لعدة أسباب منها:
- الاختلاف في تقييم التهديد
ترى الولايات المتحدة الامريكية أن إيران تمثّل تهديداً وجودياً لمصالحها وحلفائها في غرب آسيا، بينما الدول الأوروبية تعد أن تبعات الحرب العسكرية تمثّل خطراً أكبر قد يؤدي إلى موجة لجوء جديدة نحو أوروبا ومخاطر في إمدادات الطاقة، كما ترى بعض الدول الأوروبية أن إمكانية التفاهم مع إيران لا تزال ممكنة ولا داعي لنسف المبادرات، فيما إن الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) عن استيائه من حلفائه الأوروبيين لعدم انضمامهم للحرب على إيران، مشيراً إلى أنه طرح في أحاديث مع مساعديه وصحافيين احتمال الانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في المقابل أعلن القادة الأوروبيين معارضتهم الشديدة لحرب لم يُستشاروا بشأنها، ويرونها غير قانونية وغير حكيمة.
- الهيمنة الأمريكية
الدول الأوروبية مستاءة من اتخاذ الولايات المتحدة الامريكية قرارات عسكرية منفردة دون تشاور مسبق معها وتريد وضع الحلف بأكمله أمام أمر واقع غير واضح النتائج.
ثالثاً: مستقبل العلاقات الامريكية مع حلف شمال الاطلسي
تتأرجح التوقعات بشأن مستقبل حلف الناتو في ظل الخلافات الحاصلة بين عدة سيناريوهات محتملة:
- السيناريو الأول: التعاون المشترك
إعادة توزيع الأدوار وتقاسم الأعباء داخل الحلف بسبب وجود مصالح وتهديدات مشتركة مثل روسيا مما سيجبر الحلفاء على تجاوز خلافاتهم.
كان انتقاد (دونالد ترامب) الرئيسي للحلف يتمحور حول تقاسم الأعباء مشيراً إلى أن الدول الأوروبية لا تتحمل نصيبها الكافي من الدفاع المشترك، لكن مع امتناع الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو عن المشاركة في الحرب على ايران، بدأت الادارة الامريكية تتساءل عمّا إذا كان الدفاع عن أوروبا يخدم المصالح الامريكية إذا لم تدعم الدول الأوروبية التدخلات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط أو مناطق أخرى.
وأشارت صحيفة (وول ستريت جورنال) إلى أن هذا الموقف يحمل دلالة واضحة مفادها أن الدور الأميركي في الناتو يُعد خدمة لأوروبا، ويجب أن يقابله مقابل مماثل ليكون مجدياً لها
نقلت صحيفة (التلغراف) البريطانية عن (دونالد ترامب) قوله ” كنا سنقف دائماً إلى جانبهم لكنهم لم يقفوا معنا” مضيفاً ” أن الدعم الأوروبي في مضيق هرمز كان ينبغي أن يكون “تلقائياً كما دعمت الولايات المتحدة أوكرانيا بشكل تلقائي رغم أنها لم تكن مشكلتها ” .
وذكرت الصحيفة أن موقف البيت الأبيض الحالي تجاه القارة العجوز يمثل خروجاً عن الاستراتيجية الأميركية المتبعة منذ الحرب العالمية الثانية، التي لطالما اعتبرت استقرار أوروبا وأمنها مصلحة حيوية للولايات المتحدة.
ودعا وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي، عبر منصة “إكس”، الحلفاء إلى التعامل بجدية مع سيناريو الانفصال، قائلاً إنهم يريدون أن يكونوا حلفاء جيدين ومخلصين للولايات المتحدة، لكن لا يمكن تجاهل تصريحات الرئيس الأميركي.
ومع ذلك، فأن بعض الدول الاوروبية ساعدت بشكل غير معلن في الحملة العسكرية ضد ايران، إذ استخدمت الطائرات والسفن الحربية الأميركية قواعد في بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا والبرتغال واليونان للدعم اللوجستي، فضلاً عن شن ضربات ضد إيران.
كما أرسلت بعض الدول الأوروبية أنظمة دفاع جوي للمساعدة في حماية دول الخليج الصديقة من هجمات الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.
وأكد مسؤولون أوروبيون أن الناتو لطالما كان تحالفاً بحدود واضحة، إذ ينُص ميثاقه على أنه حلف دفاع مشترك يشمل أوروبا وأميركا الشمالية، ولا يُلزم أعضاؤه بدعم الحروب التي تختارها الولايات المتحدة في مناطق أخرى مثل الخليج.
- السيناريو الثاني: اتحاد أوروبي بحلّة جديدة
في ظل تفرّد الولايات المتحدة الامريكية برأيها وقراراتها وفرضها على دول الحلف بهدف تحقيق مكاسب خاصة بها قد يؤدي إلى اختلاف في مهمة الاتحاد الأوروبي مما قد يحوّله إلى حلف عسكري أوروبي متكامل. وبذلك ينتقل التحالف من رئيس وأتباع إلى تحالف كتلتين عسكريتين.
هدد ترامب هدد بوقف إمدادات الأسلحة إلى أوكرانيا للضغط على الحلفاء الأوروبيين من أجل الانضمام إلى تحالف لإعادة فتح مضيق هرمز
وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي تعرض لانتقادات متكررة من ترمب، الأسبوع الماضي، إن بلاده تتجه نحو أوروبا في سياساتها الاقتصادية والأمنية، في إشارة إلى عدم إمكانية الاعتماد على الولايات المتحدة.
وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أنه حتى شباط الماضي، عندما انسحبت الولايات المتحدة من بعض أدوار القيادة في الناتو كانت الرسالة تفيد بأنها لا تزال ملتزمة بالتحالف، لكن يتعين على أوروبا تولي قدر أكبر من مسؤولياته، واعتُبر هذا الموقف منطقياً في أوروبا، بحسب (فابريس بوتييه) الرئيس التنفيذي لشركة “راسموسن جلوبال” للاستشارات الجيوسياسية.
وأوضحت الصحيفة أن الغضب داخل الإدارة الأميركية تفاقم جزئياً، لأن دولاً أوروبية، بينها فرنسا وبريطانيا وإيطاليا ولا سيما إسبانيا فرضت قيوداً على كيفية استخدام الولايات المتحدة لقواعدها الجوية ومجالها الجوي في الحرب. كما رفض الحلفاء الأوروبيون مطالب ترامب بإرسال قوات بحرية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز، في وقت لا تزال فيه الحرب مستمرة.
- السيناريو الثالث: التفكك
الخلافات العميقة حول قضايا مصيرية مثل إيران، والتهديدات الأمريكية وتصريحات ترامب بالانسحاب أو تخفيض الالتزامات وأطماع ترامب التوسعية وآخرها مسألة غرينلاند، قد تؤدي إلى فقدان الثقة بين الأطراف، مما يدفع الدول الأعضاء للبحث عن تحالفات ثنائية أو إقليمية بديلة لضمان أمنها، وهو ما قد يؤثّر في رسم خريطة جيوسياسية جديدة لأوروبا والعالم.
ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أنه بعد عام فرض فيه (دونالد ترامب) رسوماً جمركية على المنتجات الأوروبية، وقلّص معظم الدعم الأميركي لأوكرانيا وسخر مراراً من القادة الأوروبيين، وهدد بالسيطرة على جزيرة (غرينلاند) الدنماركية فإن القادة الأوروبيين وناخبيهم ليسوا في مزاج يسمح لهم بتقديم المساعدة، وبحسب الصحيفة فإن الخلاف المتصاعد يضع مستقبل حلف الناتو على المحك، وهو التحالف الذي حافظ لعقود على أمن أوروبا ومكّنها من الازدهار.
يضع تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي “الناتو” مستقبل التحالف العسكري الأكبر في العالم أمام اختبار غير مسبوق
وأضاف أن الالتزام طويل الأمد تجاه أوروبا جاء بعد أن أدركت واشنطن مراراً أنها لا تستطيع تجاهل الصراعات الكبرى في القارة أو البقاء خارجها.
ورغم تراجع الوجود العسكري الأميركي في أوروبا بعد الحرب الباردة، فإن الرؤساء الأميركيين السابقين ظلوا يرون في استقرار أوروبا هدفاً مهماً وفي قيادة الناتو وسيلة لتحقيقه.
ونقلت الصحيفة عن فرانسوا هايسبورج، المستشار الخاص في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية في باريس، ، قوله إن ترامب لم يكن يوماً مؤيداً للحلف، لكن الحرب شهدت تحولً ملحوظاً وأوضح: “الأميركيون يتحدثون الآن بشكل مباشر وصريح عن الخروج من الناتو فكرة أنه يمكن الاستغناء عنه جديدة تماماً”.
وفيما يتعلق بإيران، فقد احتج ترامب واظهر استياءً شديداً من الدول الاوروبية لأنه اتخذ خطوة أحادية مع إسرائيل فقط، وبدأ يدرك الآن حجم الأعباء الكبيرة المترتبة عليها، وان الولايات المتحدة كقوة عظمى قد تصبح أكثر عزلة وبتكلفة اقتصادية أعلى مما تتصوره .
الخاتمة
يمر حلف الناتو اليوم في مرحلة مفصلية دقيقة، على الرغم من قدرته العسكرية الأولى في العالم، إننا نرى أنّ التباين الحاصل في معالجة القضايا والأحداث يكشف عن مستوى الهيمنة الأمريكية المتراكم وازدياد الرغبة الأوروبية في التحرّر.
التهديد الوجودي للحلف يعتمد على نجاح الأطراف في صياغة عقدٍ جديد يعيد التوازن ويحترم مصالح الجميع في عالم يتّجه بخطى متسارعة نحو التعددية القطبية.
كل ذلك هو رهن التطوّرات ولكن المؤكّد أننا أمام مشهد جديد في رسم التوازنات الإقليمية والدولية.
