حرب ألـ(40) يوماً
الاستحضارات والانفتاح العملياتي البحري
 
اللواء البحري الركن المتقاعد
الدكتور عماد علو الربيعي
باحث في الشؤن العسكرية والاستراتيجية
 
المقدمة
واحدة من ابرز ملامح حرب الـ(40) يوما الامريكية على ايران، على صعيد الاستخدام القتالي للقوات هي العمليات البحرية التي نفذتها أربع مجموعات قتال بحرية امريكية مجموعات الواجب (Task Forces)، بحيث تؤدي كل مجموعة وظيفة عملياتية محددة ضمن إطار قيادة موحد، لحاملتي الطائرات الامريكيتان أبراهام لينكولن USS Abraham Lincoln (CVN-72)، وجورج إتش دبليو بوش (USS George H.W. Bush)، مدعومتين بـ 13 مدمرة وطرادات وسفن هجومية وبرمائية لفرض السيطرة البحرية، على ساحة العمليات البحرية شمال بحر العرب وخليج عمان ومنطقة مضيق هرمز، في اطار حملة عسكرية (Military Campaign)، متكاملة صممت لتحقيق أهداف إستراتيجية وعملياتية محددة. وقد اعتمدت هذه الحملة على تكامل القوة البحرية مع القوة الجوية والفضائية والاستخبارية، بما أتاح تنفيذ عمليات دقيقة ومتتابعة حافظت على زمام المبادرة وحرية العمل في المجال البحري.
ولغرض التصدي لهذه الحملة سعت القيادة العسكرية الإيرانية وقيادة الحرس الثوري الإيراني Islamic Revolutionary Guard Corps (IRGC) ، الى اعتماد استراتيجية دفاعية هجينة، جمعت بين القدرات التقليدية والوسائل غير المتماثلة، مثل الزوارق السريعة، والصواريخ الساحلية، والطائرات المسيّرة، والتهديد بإغلاق الممرات البحرية، في محاولة لفرض كلفة عملياتية وسياسية ليس فقط على القوات الأمريكية المهاجمة بل أيضا” على الدول التي تقدم التسهيلات لعمل القوات الامريكية في ساحة العمليات.
هذه الورقة البحثية سوف تركز على تحليل مراحل اعداد البيئة العملياتية والانفتاح القتالي البحري التي نفذتها البحرية الأمريكية والبحرية الايرانية خلال المراحل الأولى من حرب الأربعين يوماً.
 
 
الانفتاح العملياتي (Operational Deployment)
1. انفتاح مجموعات الواجب البحرية الامريكية: استهدفت مرحلة الانفتاح العملياتي بالنسبة للقوات البحرية الامريكية، إلى تشكيل البيئة العملياتية قبل الانتقال إلى مرحلة الاشتباك المباشر، وذلك من خلال تهيئة مسرح العمليات بالشكل الذي يقلل من حرية مناورة الخصم ويعزز قدرة القوات البحرية الأمريكية على المبادأة، وهو مبدأ راسخ في العقيدة العملياتية الأمريكية. وكان الانفتاح العملياتي لمجموعات الواجب البحرية الامريكية (Task Forces)، يتسم بأسلوب (الردع الدفاعي)، اكثر منه هجوميا”، لتأمين أكثر قدر من الحماية ضد القدرات الصاروخية والمسيرات الانتحارية الإيرانية. ولذلك كان تموضع مجموعات الواجب البحرية بالشكل الذي يضمن تغطية المحاور البحرية الرئيسة، مع الحفاظ على المرونة اللازمة للانتقال السريع بين الردع والاشتباك. ولذلك جرى توزيع المدمرات الدفاع الصاروخي في مواقع توفر تغطية متبادلة، مع دفع غواصات هجومية نووية إلى مناطق تسمح بتنفيذ عمليات استطلاع وضربات بعيدة المدى. مع حرص القيادة الامريكية على ايحاء الدائم بانها ستقوم بعملية برمائية وشيكة خصوصا” بعد وصول سفينة الهجوم البرمائية تريبولي (USS Tripoli – LHA 7)، من بحر الصين الجنوبي الى مسرح العمليات لتأمين خيارات التدخل والإخلاء ودعم القوات الخاصة. الشكل التالي يوضح المراحل الأولى لتشكيل بيئة العمليات القتالية البحرية لمجموعات الواجب البحرية الامريكية في حرب الـ (40) يوما”.
 
 
2. الانفتاح العملياتي لبحرية الحرس الثوري الايراني: كان الانفتاح العملياتي للبحرية الإيرانية وبحرية الحرس الثوري يعتمد على رفع جاهزية القوات البحرية التقليدية وقوات بحرية الحرس الثوري، من خلال التركيز على اسلوب (الدفاع المتدرج والمتنوع)، وإعادة توزيع بعض القدرات الساحلية والصاروخية لتقليل قابليتها للاستهداف لتعزيز وفرض سيطرة مستدامة في مضيق هرمز والجزر القريبة والمحاذية للسواحل الجنوبية الإيرانية. وقد اعتمدت إيران على إعادة انتشار الزوارق السريعة، وتعزيز مواقع الصواريخ الساحلية، وزيادة نشاط الدوريات في المناطق القريبة من مضيق هرمز، مع إبقاء بعض الوحدات في حالة استعداد للتحرك السريع وفق تطورات الموقف. كل ذلك لإظهار قدرتها على تهديد الملاحة من خلال الانتشار المرن للزوارق السريعة، وتعزيز وجودها في المناطق الساحلية، وإبراز جاهزية منظومات الصواريخ الساحلية، في إطار سياسة الردع. الشكل التالي يوضح الانفتاح العملياتي لبحرية الحرس الثوري الإيراني في المراحل الأولى من حرب الـ(40) يوما”:
 
 
 
 
الرصد والانذار
عمل الطرفان الأمريكي والإيراني، على إعطاء اسبقية وأهمية استراتيجية لبناء واستدامة منظومة مراقبة وانذار استراتيجية، لمراقبة الموقف العملياتي في مسرح العمليات وخاصة في مقتربات مضيق هرمز الذي أصبحت عملية السيطرة عليه هدفا” حيويا” واستراتيجيا” لكلا الطرفين الأمريكي والإيراني، وكما يلي:
1. حاولت البحرية الامريكية بناء صورة عملياتية مشتركة، لمتابعة تحركات القطعات الإيرانية البحرية والساحلية بصورة شبه آنية، من خلال دمج المعلومات الواردة من الأقمار الصناعية، والطائرات بعيدة المدى مثل MQ-4C، RQ-4، E-3، E-2D، ومنصات الاستطلاع البحري، والاستخبارات الإلكترونية،
2. ركزت القيادة الإيرانية على استدامة المراقبة والتتبع لتحركات القطع البحرية الأمريكية عبر الرادارات الساحلية، والطائرات المسيّرة محلية الصنع، وسفن الاستطلاع، وشبكات المراقبة البحرية، بهدف تحديد اتجاهات الانتشار المحتملة وتقدير نيات الخصم.
ومع ذلك، ظلت الفجوة في القدرات الفضائية وشبكات دمج البيانات عاملاً مؤثراً في تفاوت مستوى الوعي العملياتي بين الطرفين.
 
الإعداد والدعم اللوجستي
لغرض استدامة الانفتاح العملياتي لمجموعات الواجب البحرية الامريكية، في مسرح العمليات شمال بحر العرب وخليج عمان، اعتمدت الولايات المتحدة على شبكة واسعة من قواعد الإسناد، القريبة من مسرح العمليات، وكذلك مجموعة واجب سفن التموين والدعم اللوجستي، التي تؤمن استدامة الصيانة والإخلاء الطبي، لمقاتلة ضمن مجموعات الواجب البحري الأربعة، وقد شاركت طائرات التزود بالوقود العاملة من قواعد عسكرية ومطارات في إسرائيل ودول عربية ضمن مسرح العمليات في اسناد عمليات الاستطلاع والقصف للطائرات المنطلقة من حاملتي الطائرات ابراهام لينكولن وجورج دبليو بوش، بما وفر استدامة للعمليات الحربية عبر مختلف مراحل الحملة. في المقابل، استفادت إيران من قرب قواعدها البحرية من مسرح العمليات، وهو ما وفر لها خطوط إمداد قصيرة نسبياً، لكنها ظلت أكثر عرضة للتأثر بالضربات الدقيقة مقارنة بالشبكات اللوجستية الأمريكية الموزعة.
استنتاجات ختامية
1. شكلت جودة التحضير والانفتاح العملياتي لطرفي الحرب (الولايات المتحدة وايران)، عاملا” حاسما” في تفسير تطور نجاح أو خفاق العمليات اللاحقة، إذ إنها غالباً ما تحدد اتجاه الحملة قبل بدء القتال المباشر.
2. ركز طرفي الحرب على بناء بيئة عملياتية مواتية. وقد نجحت الولايات المتحدة في توظيف تفوقها في القيادة والسيطرة، والاستطلاع، والانتشار البحري، لتقليص هامش المبادأة لدى الخصم، بينما ركزت البحرية الإيراني وبحرية الحرس الثوري على محاولة تلافي الفارق النوعي في القدرات القتالية البحرية، من خلال تعزيز المرونة، والانتشار اللامركزي، والاعتماد على وسائل الحرب غير المتماثلة.
3. أمن التطور التكنلوجي والسيبراني في منظومة الإنذار والقيادة والسيطرة الأمريكية صورة عملياتية، انعكست لاحقا” على دقة تنفيذ الواجبات القتالية وسرعة اتخاذ القرار.
4. كان هناك تلكأ وبطيء واضح في استكمال تنظيم مجموعات الواجب البحرية الامريكية أنعكس في سلبا” في مراحل لاحقة في توزيع المهام وتحقيق التكامل بين القدرات المختلفة.
5. أدى الفارق في القدرات القتالية والتدميرية الى ذهاب ايران الى استخدام استراتيجية توزيع الضرر على دول الخليج العربي، ورفع كلفة عملياته من خلال استخدام الطائرات المسيرة الانتحارية والوسائل غير المتماثلة.
6. كان لقدرات ووسائل الدعم والاسناد اللوجستي للحملة البحرية الامريكية تأثيره الواضح على تعزيز قدرة مجموعات القتال البحرية الامريكية، في العمل والتأثير عبر مسرح عمليات واسع.
 
 
أهم مصادر الدراسة
 
1. By Matthew Olay, Four Days In, Hegseth, Caine Say U.S. Making Decisive Progress in Iran, March 4, 2026, Available on, https://shorturl.at/LMjbM .
2. U.S. Central Command (CENTCOM). Operational Updates, Press Briefings and Daily Situation Reports, Fab,2026.
3. US military assembles largest force of warships, aircraft in Middle East in decades, By Konstantin Toropin and Ben Finley, The Associated Press, Available on, https://shorturl.at/TJ9Jh .
4. منتدى الشرق الأوسط للعلوم العسكرية، القوة البحرية الإيرانية في 2026، متاح على الرابط الالكتروني، https://shorturl.at/8v7ES .
5. تحشيد وتسلح ومناورات.. كيف استعدت إيران وأمريكا للحرب؟، موقع نون إنسايت نشر في ٢٧ فبراير ,٢٠٢٦، على الرابط الالكتروني، https://shorturl.at/Izs87 .
6. «الحرس الثوري» يُجري مناورة «السيطرة الذكية على مضيق هرمز»، صحيفة الشرق الأوسط، بتاريخ 16 فبراير 2026 م، على الرابط الالكتروني، https://shorturl.at/zl4fi .
 
#مركز_ضوء_للتنمية_ودعم_الديمقراطية