بسم الله الرحمن الرحيم
مشروع قانون حصر السلاح بيد الدولة
هل حان الوقت لإعادة بناء نظام معركة المؤسسة العسكرية العراقية في ضوء تعدد مراكز القوة وتداخل ساحات العمل
اللواء الركن المتقاعد
الدكتور عماد علوّ الربيعي

المقدمة
وجه السيد رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، يوم الثلاثاء 11 أغسطس 2026، بإعداد مشروع قانون لحصر السلاح بيد الدولة وفق السياقات الدستورية. وذلك بالتزامن مع مهلة حكومية منتهية في 30 سبتمبر 2026. الأمر الذي يعيد طرح موضوع مراجعة البناء المؤسسي لمنظومة الدفاع العراقية، ذات الهيكلية التنظيمية المعقدة التي تمثلت بترهلها وضخامة انفاقها المالي وهو ما شكل عبئا” ماليا” على الدولة العراقية من جهة وعرقل سرعة تلبية المتطلبات اللوجستية والتسليحية لتعدد مراكز القوة فيها، وتشكيلاتها التي تتألف من (وزارة الدفاع – وزارة الداخلية – جهاز مكافحة الارهاب – الحشد الشعبي – جهاز الامن الوطني – جهاز المخابرات – قوات البيشمركة). الأمر الذي يستدعي اليوم الحاجة الى مراجعة، وحدة نظام معركة، ووضوح ساحات العمل لمكونات المؤسسة العسكرية العراقية وبما يضمن وضوح التسلسل القيادي، وتحديد المسؤوليات العملياتية، وتحقيق التكامل بين مختلف الصنوف والتشكيلات العسكرية والأمنية. خصوصا” وأن إدارات وتشكيلات المؤسسة العسكرية العراقية، جرى تشكيلها، بغياب رؤية استراتيجية موحدة ومتناسقة للدولة العراقية بعد عام 2003. وهو ما أثر بشكل أو بأخر على دقة وسرعة ونجاعة اتخاذ القرارات الأمنية، وكذلك صعوبة واضحة في التعاون والتنسيق بينها على مستوى العمليات العسكرية والاستخبارية.
واستنادا” لكل ذلك ، وفي ضوء التهديدات الداخلية والخارجية ، فقد برزت الحاجة اليوم بضرورة اعادة النظر بالهياكل التنظيمية للمؤسسة العسكرية العراقية ، وتقليص الترهل والازدواجية في عمل الوحدات والقيادات داخل الهيكل التنظيمي للمؤسسة العسكرية ، بما يعزز مبدأ وحدة القيادة والسيطرة في ادارة الموارد البشرية والمادية المتيسرة للدولة العراقية لضمان استدامة واستقرار الأمن الوطني العراقي في مواجهة التهديدات الأمنية الداخلية والخارجية عبر تطوير عناصر القوة الشاملة للدولة من خلال امتلاك وسائل الردع المختلفة للدفاع عن سيادة العراق وحماية وحدته الوطنية .
العلاقة بين نظام المعركة والهيكل التنظيمي
تعكس العلاقة بين العقيدة العسكرية Military Doctrine، ونظام المعركة (Order of Battle)، فلسفة العقيدة العسكرية، في الميدان، حيث تظهر تلك العلاقة شكل ترتيب وبناء “الهيكل التنظيمي Organizational structure” للمؤسسة العسكرية، أو القيادة، والتشكيل، لتطبيق وممارسة العقيدة. ويذهب بعض المنظرين العسكريين الى اعتبار أن الهيكل التنظيمي هو الشكل أو الترتيب المثالي والنموذجي للوحدة كما هو منصوص عليه في العقيدة العسكرية. لذلك فان تفاعل العقيدة العسكرية مع الهيكل التنظيمي، سيكون معبرا” عنه بشكل وترتيب نظام المعركة (Order of Battle)، باعتباره الواقع الفعلي التشغيلي للوحدة في لحظة معينة، وفق العقيدة العسكرية، والذي قد يختلف أو يتغير بسبب خسائر المعارك، وظروف الاستنزاف، وتعسر أو نقص الامدادات.
وغالبا” ما ترتبط بمفهوم نظام المعركة مصطلحات مثل (القوة العمومية)، و(ملاك اللواء)، (ملاك الفوج)، (ملاك السرية) …الخ. لذلك وفي هذا السياق فان مخرجات التفاعل بين نظام المعركة والهيكل التنظيمي، لمؤسسة أو قيادة أو تشكيل أو وحدة، تنظم على شكل جداول أو هياكل تنظيمية تحدد وتنظم على ضوئها (الملاك الوظيفي)، للمؤسسة أو قيادة أو التشكيل أو الوحدة، والذي يعني موجود القوة البشرية (Personnel Strength)، من حيث العدد الدقيق للرتب، ومسمياتها، وتخصصاتها، ودرجاتها المالية، داخل المؤسسة العسكرية، الفيلق، الفرقة، اللواء، الفوج أو الكتيبة، السرية، الفصيل. وبذلك يتم توضيح أدوار وواجبات، والعدد الدقيق للأفراد، ورتبهم العسكرية، وأنواع الأسلحة والمعدات المخصصة لكل مستوى في الهيكل، توضع وتوضح في جداول ملحقة بالهيكل التنظيمي.
مفهوم نظام المعركة لدى الجيوش العربية
من خلال الاطلاع على ما تناولته المعاجم العسكرية العالمية والعربية من توصيفات وتعاريف لمصطلح نظام المعركة لمسنا أن هناك اختلافات طفيفة في الصياغات للمصطلحات والمفاهيم العسكرية بين الجيوش العربية، بسبب تأثرها بالمدارس التنظيمية العسكرية الغربية. ويظهر هذا التأثير بوضوح عند المقارنة بين مدرسة المشرق العربي (المتأثرة بالعقائد العسكرية البريطانية والأمريكية والروسية) ومدرسة المغرب العربي (المتأثرة بالعقيدة العسكرية الفرنسية). فمدرسة المشرق العربي التي تتمثل بجيوش (مصر، والعراق، والأردن، ودول الخليج)، تعتمد المصطلح الإنجليزي Order of Battle (ORBAT / OOB)، في فهمها للمصطلح في قواميس إلى “نظام المعركة” أو “ترتيب المعركة”، الا أن الجيش المصري انحاز بعد نكسة حزيران 1967، نحو التنظيم الروسي. ومن المهم الإشارة الى أن الجيش العراقي باعتباره من (مدرسة المشرق العربي) تأثر بشكل واضح وكبير بالعقائد العسكرية الغربية وخاصة البريطانية التي تعتمد المصطلح الإنجليزي Order of Battle (ORBAT / OOB)، وقد جرى تداول مصطلح (نظام المعركة) في خطة إعادة تنظيم الجيش العراقي ما بين عام 1921 – 1929، التي وضعها المفتش العام البريطاني للجيش العراقي الفريق غرنفيل هنري لوخ (Granvill Hnenry Loch)، بعنوان (نظام معركة مقر الجيش). ثم استمر تداوله واعتماده في القواميس العسكرية مثل معجم المصطلحات العسكرية الذي أصدرته كلية الأركان العراقية عام 1953. كدليل على اعتماد الجيش العراقي، العقيدة والتنظيم البريطاني العسكري، حتى بعد قيام النظام الجمهوري في العراق في 14 تموز/ يوليو 1958. ولم يعتمد الجيش العراقي التنظيم الروسي، الا في نهاية السبعينات من القرن الماضي عندما ادخلت الأسلحة الروسية في القوة البحرية والدفاع الجوي وطيران الجيش في مطلع الثمانينات. الا أن المؤسسة العسكرية العراقية، التي اعيد بنائها بإشراف القوات الامريكية والبريطانية، وفق هيكلية تكتيكية وأمنية مشتركة أُعيد تنظيمها وترتيبها بعد عام 2003، تمحورت حول مفهوم قيادات العمليات المشتركة التي تدمج بين القوات البرية النظامية والأجهزة الأمنية والرديفة لتأمين قواطع العمليات المختلفة.
الصلاحيات الدستورية للقائد العام للقوات المسلحة في بناء نظام المعركة
من الجدير بالذكر أن الدستور العراقي لسنة 2005 في المادة (78)، أشار الى ان رئيس مجلس الوزراء هو القائد العام للقوات المسلحة. كما أن الفقرة (ثانيا) من المادة (110) من الدستور العراقي لسنة 2005، تشير الى صلاحيات السلطة الاتحادية بوضع سياسة الامن الوطني وتنفيذها بما في ذلك انشاء قوات مسلحة وادارتها، وهو مفهوم يشير الى مهام وصلاحيات القائد العام للقوات المسلحة، والتي يمارسها أيضا” من خلال وعبر القوانين التي أقرها مجلس النواب العراقي استنادا” الى الدستور العراقي النافذ لسنة 2005، والتي تعمل بها الوزارات والتشكيلات العسكرية والأجهزة الأمنية، لإعداد وبناء نظام معركة وطني (National Order of Battle) يدمج جميع قيادات وتشكيلات المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية، ضمن إطار تنظيمي واحد مع الحفاظ على الخصوصيات القانونية لبعض المؤسسات، استنادا” الى المرتكزات التالية:
- إعادة تشكيل القيادة الدستورية العليا للقوات المسلحة (القيادة العامة للقوات المسلحة)، باعتبارها هيئة ركن القائد العام للقوات المسلحة.
- اعادة تعريف الدور والمهمة والارتباط لكل مؤسسة عسكرية وأمنية.
- تشريع القوانين والتعليمات التي كل المؤسسات العسكرية والأمنية للقيادة الدستورية العليا.
- إعادة توزيع ساحات العمل لكل مؤسسة عسكرية وأمنية وفق الدور والمهمة والارتباط.
- إعادة النظر بمفاهيم القيادة والسيطرة والتخطيط المشترك في اطار توحيد العقيدة العسكرية.
الخاتمة
إن مشروع قانون حصر السلاح بيد الدولة في اطار إعادة بناء نظام المعركة ينبغي ألا يفهم باعتباره إعادة توزيع للهياكل التنظيمية العسكرية فقط، بل باعتبارها مشروعاً وطنياً لإعادة هندسة القطاع الأمني والعسكري وشكل علاقته بالسلطة المدنية وفق مبادئ الدستور العراقي والحوكمة الرشيدة. وفي هذا السياق تأخذ قضية القيادة والسيطرة، أهمية قصوى، لارتفاع مستوى المخاطر والتداعيات الناجمة عن التخطيط وادارة العمليات العسكرية وعمليات الدعم اللوجستي، وهو أمر بالغ الأهمية، وضروري للحفاظ على الانضباط والمعنويات والفعالية والقدرات القتالية في مواجهة متطلبات الحرب، وظروف القتال سريعة التغير، في اطار وسياق التوجه لإصلاح قطاع الأمن العراقي، وتحسين أداء الدولة في القطاعين العسكري والأمني.