الرأي العام لشريحة الشباب ما بين الدور التابع والدور القائد
دراسة في السياق العراقي
بقلم : د. ساعود جمال ساعود .. قسم الدراسات السياسية. جامعة دمشق.
يُعد الرأي العام أحد أهم المؤشرات على حيوية المجتمع وقدرته على التفاعل مع الأزمات والتحولات كما هو الحال بالنسبة للعراق، الذي تبرز فيه شريحة الشباب بوصفها القوة الاجتماعية الأكثر تأثراً بالتحديات السياسية والاقتصادية، وفي الوقت نفسه الأكثر قدرة على إحداث التغيير، حيث تمثل شريحة الشباب الكتلة السكانية الأكبر والأكثر ديناميكية، لا سيما شريحة المتعلمين، رغم كونها ليست استثناءاً في مجتمع يبلغ تعداده السكاني قرابة (حوالي 45 مليون نسمة) مليون نسمة تبلغ فيه نسبة الشباب (الفئة العمرية تحت 35 عاماً تشكل قرابة 60% من المجتمع العراقي)، بالإضافة إلى التوجهات ذات المضامين الثقافية والاجتماعية المتعددة، في ظل توفر المقومات التي تبرز بوصفها كأحد معطيات قوة العراق التي تمكنه من التأثير في الوسط الداخلي والخارجي معاً، هذه العوامل تجعل من القوة الشبابية فاعلًا محوريًا في تشكيل الرأي العام، والتأثير في مسارات التغيير السياسي والاجتماعي، إلا أن الدور القوة الشبابية لم يكن ثابتاً، بل شهد تحولات متناقضة بين التأثر بالسلطات التقليدية من جهة، وقيادة الحراك الاجتماعي من جهة أخرى، مما يستدعي القيام بتحليل طبيعة الرأي العام الشبابي في العراق كحالة تطبيقية تدرس فيما إذا كان هذا الرأي يؤدي دوراً تابعاً خاضعاً للبُنى السياسية والاجتماعية التقليدية، أم دوراً قائداً قادراً على المبادرة وصناعة التحوّل في ظل العوامل البنيوية السياسية والاقتصادية والثقافية.
الورقة البحثية تنطلق من إشكالية أساسية مفادها: هل يشكّل الرأي العام الشبابي في العراق قوة تابعة تُعاد صياغتها من قبل النخب السياسية، أم قوة قائدة تسهم في إعادة تشكيل المشهد العام؟
أولًا: الإطار النظري لمفهوم الرأي العام والشباب:
يُعرَّف الرأي العام بأنه مجموع الاتجاهات والتصورات التي تتبناها جماعة اجتماعية إزاء قضية معينة في زمن محدد، أما الشباب فهم الفئة العمرية التي تمتلك أعلى مستويات الطاقة والقدرة على التفاعل، وغالبًا ما تكون أكثر حساسية تجاه قضايا العدالة والحرية والفرص الاقتصادية، وفي السياق العربي عموماً والعراقي خاصة، يتداخل الرأي العام الشبابي مع عوامل معقدة، أبرزها الإرث السياسي لما بعد الصراعات والحروب، وهيمنة الهويات الفرعية (الطائفية، العشائرية، الحزبية)، وضعف الثقة بالمؤسسات الرسمية.
تندرج هذه النوعية من الدراسات ضمن إطار الدارسات الإعلامية وعلم الاجتماع السياسي خاصة، حيث لا بد في سياق الجهد المبذول لتفكيك العلاقة الجدلية بين الشباب والرأي العام، من منظور “التبعية” و”القيادة”، التعريج الغير إسهابي في الأطر النظرية الأتية:
أولاً: سيكولوجية الرأي العام الشبابي بين التشكيل الذاتي والتأثير الخارجي:
إن طبيعة الرأي العام لدى فئة الشباب، فئة “ديناميكية” تتسم بالمرونة وسرعة التأثر والقدرة على التغيير في آن واحد، حيث إن الرأي العام الشبابي نتاج تفاعل بين الميول الفطرية للتمرد وبين ضغوط التنشئة الاجتماعية، وهنا وجب التفريق بين حالتين الدور التابع نقيضه التابع، ففي “الدور التابع”، يظهر الشباب كمستهلكين للمادة الإعلامية والسياسية التي تضخها النخب، حيث يتم توجيه عواطفهم لخدمة أجندات معينة، أما في حالة “الدور القائد”، فيتحول الرأي العام الشبابي إلى “قوة ضاغطة، تمتلك أدوات التغيير، خاصّة في ظل الثقافة الرقمية التي منحتهم استقلالية عن المصادر التقليدية لتشكيل الوعي.
ثانياً: نظرية “تدفق الاتصال عبر مرحلتين” وإعادة إنتاج القيادة:
يُعد توظيف نظرية “تدفق الاتصال عبر مرحلتين” لـ “لازارسفيلد” ركيزة أساسية لا يمكن تجاهلها، ففي السابق، كان الشباب غالباً ما يمثلون “الجمهور المتلقي” الذي يتبع قادة الرأي من النخب التقليدية، لكن وفق الرؤية معاصرة وكنتيجة لمستجدات العصر ومتغيراته، فقد أصبح الشباب أنفسهم هم “قادة الرأي الجدد” في الفضاء الرقمي، حيث هم من يحددون “الأجندة” وهم من يمارسون دور “حارس البوابة “للمعلومات، هذا التحول الهيكلي جعل من الرأي العام الشبابي محركاً للرأي العام الكلي، مما ينقلهم من خانة “التابع” الذي يتلقى التوجيهات إلى “القائد” الذي يصيغ الوعي الجمعي للمجتمع بأسره.
ثالثاً: ثنائية التمكين الرقمي والاغتراب السياسي:
تساهم التكنولوجيا في تحديد “دور” الشاب لدرجة كبيرة، حيث أدت الفجوة الرقمية إلى جعل الشباب يمتلكون “سلطة المعرفة” التي يفتقدها الجيل الأقدم، مما يمنحهم دوراً قيادياً طبيعياً في الحركات الاجتماعية والسياسية الحديثة، ومع ذلك، يبرز هنا مفهوم “الاغتراب”؛ فحينما يُحرم الشباب من القنوات الرسمية للمشاركة، يرتدون إلى “الدور التابع” سلبياً عبر الانكفاء على الذات أو اتباع التيارات الشعبوية التي تستغل طاقاتهم دون تمكين حقيقي، مما يجعل الأمر خاضعاً للوعي الشبابي في تجاوز مرحلة “رد الفعل” (التبعية للأحداث)، ليصل إلى مرحلة “صناعة الفعل” (القيادة الاستراتيجية).
رابعاً: رأس المال الاجتماعي والمشاركة المدنية كمعيار للقيادة:
يتمثل التركيز هنا على “رأس المال الاجتماعي” لدى الشباب، فالقيادة في الرأي العام لا تأتي من الفراغ، بل من قدرة هذه الشريحة على التشبيك وبناء الثقة داخل المجموعات، وعندما يفتقر الشباب إلى التنظيم المؤسسي، يسهل انقيادهم وتوجيه آرائهم عبر “غرف الصدى” في وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يعزز “الدور التابع”، في المقابل، تظهر القيادة عندما تتحول الآراء الفردية إلى “حراك مدني” منظم يمتلك رؤية واضحة، حيث يتحول الشباب من مجرد “أرقام” في استطلاعات الرأي إلى “فاعلين” يغيرون مسار القرارات الوطنية.
تأسيساً على ما سبق، يمكن القول إن الرأي العام الشبابي يمثل اليوم نقطة الارتكاز في ميزان القوى المجتمعية، فهو لم يعد مجرد صدىً لتوجهات النخب أو وعاءً يستقبل الإملاءات الفوقية، بل تحول إلى قوة سيادية قادرة على رسم المسارات الفكرية والسياسية، كما إن الجدلية بين “التبعية” و”القيادة” في هذا السياق ليست حالة ثابتة، بل هي صيرورة محكومة بمدى امتلاك الشباب لأدوات الوعي النقدي وقدرتهم على استثمار معطيات القوة والتمكين بمقدمتها الفضاء الرقمي كمنصة للفعل لا مجرد التفاعل، فبينما يمثل “الدور التابع” استنزافاً لطاقة هذا الجيل في قوالب جاهزة، يبرز “الدور القائد” كضرورة حتمية لتحقيق التحول الديمقراطي والتنمية المستدامة، مما يفرض على المؤسسات الرسمية والمدنية إعادة قراءة هذا الرأي العام ليس كـ “تابع” تجب السيطرة عليه، بل كـ “شريك قائد” يمتلك الرؤية والأدوات لابتكار مستقبل يتجاوز الأطر التقليدية المتعارف عليها.
ثانيًا: واقع الرأي العام الشبابي العراقي لعام 2025: جدلية التمكين والاحتواء:
بإسقاط الإطار النظري على المشهد العراقي حتى مطلع عام 2025، نجد تجسيداً حياً للصراع بين “التبعية” القسرية و”القيادة” الناشئة؛ فقد شهد العام المذكور تحولاً جذرياً، انتقل فيه الشباب من كونهم “خزاناً بشرياً” يُستخدم للحشد والتبعية للأجندات الحزبية، إلى “بوصلة سياسية” تفرض الهوية الوطنية كقضية مركزية، مما أجبر النخب التقليدية على تعديل خطاباتها لتلائم تطلعات جيلٍ لم يعد يكتفي برد الفعل، بل بات المحرك الأساسي للمطالب الإصلاحية، هذا التحوّل وجد في “الفضاء الرقمي” ساحةً لانتزاع القيادة وكسر احتكار الوسائل الإعلامية الممولة حزبياً، حيث تحوّل الشاب العراقي من “متلقٍ” سلبي إلى “قائد رأي” محلي يبتكر أدوات رقابة شعبية رقمية قادرة على رسم ملامح القضايا اليومية في الشارع وإفشال محاولات التضليل المعلوماتي، ورغم ذلك فقد اصطدمت هذه “القيادة الرقمية” بصدمة التمكين السياسي في انتخابات 2025، حيث واجهت الأحزاب الناشئة عوائق هيكلية وقانونية ولدت حالة من “الإحباط السياسي” وأوجدت ازدواجية معقدة؛ فبينما يمارس الشباب دوراً قائداً في القضايا الحقوقية، تضغط الظروف الاقتصادية وغياب الفرص لدفع بعض الفئات نحو “الدور التابع” بحثاً عن الاستقرار المعيشي، مما جعل الرأي العام الشبابي في حالة تذبذب مستمر بين طموح القيادة وواقعية التبعية. ورغم هذه التحديات، تبرز استقلالية معرفية واضحة ترفض المرجعيات التقليدية للحقيقة، إذ أصبحت القيادة في العراق “أفقية” تتشكل عبر النقاشات الجماعية والمنصات التفاعلية، مما يقلص مساحة التلقين ويخلق جيلاً يمتلك أدوات النقد لمواجهة الخطابات الموجهة، لذا يمكن وصف الرأي العام الشبابي العراقي في عام 2025 بمرحلة “القيادة القلقة”؛ فهو جيل يمتلك كامل الوعي والأدوات لممارسة الدور القائد، إلا أنه لا يزال يكافح لمأسسة هذه القيادة وتحويلها من مجرد “رأي ضاغط” في الفضاءات الافتراضية والميادين إلى “سلطة قرار” فاعلة داخل مؤسسات الدولة.
ثالثاً: الرأي العام الشبابي بوصفه تابعاً:
اتسم الرأي العام لفترات طويلة لدى شريحة واسعة من الشباب العراقي بطابع التبعية، نتيجة عدة أسباب وضّحها الواقع وشرحتها الأدبيات المختصّة من أهمها:
أولاً: توظيف الخطاب التقليدي والهوياتي: تستغل القوى التقليدية العاطفة الدينية والروابط الفرعية (العشائرية والمناطقية)، لتعطيل استقلالية القرار لدى الشباب العراقي، مما يجعل مواقفهم صدىً لأجندات النخب الحاكمة بدلاً من احتياجاتهم الجيلية، هذا التوجيه العاطفي يحول الشاب من “مواطن فاعل” إلى “جزء من قطيع انتخابي” يتحرك وفق إملاءات الهوية الضيقة، مما يكرس التبعية العمياء.
ثانياً: قصور الوعي السياسي والتربية المدنية: أدى غياب مناهج التربية المدنية في العراق إلى نشوء جيل يفتقر للأدوات النقدية اللازمة لتفكيك الخطابات السياسية المضللة، مما يجعله فريسة سهلة للبروباغندا، وتكمن سلبية غياب التفكير النقدي في تحوّل الرأي العام الشبابي إلى مجرد “وعاء استقبال” للمعلومات دون تمحيص، وهو ما يعمق حالة التبعية المعرفية للقيادات الكلاسيكية.
ثالثاً: ضغط العامل الاقتصادي والمعيشي: تمثّل البطالة والفقر أدوات ضغط تدفع الشباب العراقي نحو “التبعية القسرية” لتأمين لقمة العيش أو الحصول على وظيفة حكومية عبر الولاءات الحزبية (المحاصصة)، هذا الانشغال التام بتأمين الاحتياجات الأساسية يستنزف الطاقة الذهنية والوقتية للشباب، مما يحيّد دورهم في مراقبة الشأن العام ويحولهم إلى جمهور يبحث عن “الاستقرار” حتى لو على حساب “الإصلاح”.
رابعاً: ثقافة الخوف والانسياق الجمعي: يؤدي القمع الممنهج، سواء كان مادياً أو معنوياً (الإقصاء)، إلى شيوع “ثقافة الصمت” داخل الأوساط الشبابية، حيث يفضل الفرد اتباع الرأي السائد لتجنب المخاطر الشخصية، هذا النمط من الانسياق لا يعبّر عن قناعة حقيقية، بل هو “تبعية اضطرارية” تؤدّي في النهاية إلى تجميد طاقات الشباب ومنعهم من تشكيل رأي عام مستقل وقائد.
بالمجمل، تؤدي حالة “التبعية” في الرأي العام الشبابي إلى مخاطر بنيوية تهدد مستقبل الدولة والمجتمع، أبرزها تحوّل الشباب من محرك للإصلاح إلى حائط صد يحمي المصالح التقليدية، مما يمنح الشرعية لأنظمة قد تكون فاشلة أو فاسدة، كما ينتج عن ذلك اتساع فجوة الاغتراب السياسي، فبمرور الوقت يشعر الشباب بالعجز وفقدان القيمة، ما يدفعهم إما نحو الهجرة والكفاءات الضائعة، أو نحو التطرف والارتماء في أحضان التيارات الشعبوية التي تستغل إحباطهم، والأخطر إضعاف الهوية الوطنية لصالح الانتماءات الفرعية، مما يجعل النسيج الاجتماعي هشاً وقابلاً للانفجار عند أي أزمة سياسية أو اقتصادية.
رابعاً: الرأي العام الشبابي بوصفه دورًا قائداً:
شهد العراق منذ احتجاجات تشرين 2019، تحولاً نوعياً في موقع الشباب داخل المجال العام، فقد انتقل قطاع واسع منهم من موقع التلقي إلى موقع المبادرة، ويمكن شرح هذه التحوّل النوعي التي جعلت من الشباب العراقي “قائداً” للمجال العام حتى عام 2025 وفق الفقرات الآتية:
أولاً: القيادة الميدانية المستقلة (كسر القوالب الحزبية): انتقل الشباب العراقي من دور “الحشد التابع” إلى دور “المنظم القائد”، حيث نجحوا في ابتكار أشكال تنظيمية أفقية تعتمد على التنسيقيات والمجموعات الطوعية بعيداً عن الهياكل الحزبية الهرمية، هذه القيادة الميدانية أثبتت قدرتها على الصمود أمام محاولات الاحتواء، وفرضت إيقاعاً سياسياً جديداً أجبر القوى التقليدية على إعادة النظر في آليات تعاملها مع الشارع، مما جعل “القرار الشبابي” هو المركز الذي تتمحور حوله التحركات الوطنية.
ثانياً: صياغة الخطاب الوطني العابر للهويات: تمكن الرأي العام الشبابي من إنتاج لغة سياسية جديدة ترتكز على مفهوم “المواطنة” و”الدولة المدنية”، متجاوزاً الانقسامات الطائفية والقومية التي سادت لعقود. هذا الخطاب لم يكن مجرد شعارات، بل تحول إلى “وعي جمعي” يقود الجماهير نحو مطالب حقوقية موحدة (مثل العدالة الاجتماعية وسيادة القانون)، وإن كان الواقع والاستجابة وحيثيات التطبيق مسائل مغايرة، ولكن هذا نزع الشرعية عن الخطابات التحريضية ومنح الشباب دور “البوصلة الأخلاقية والوطنية” للمجتمع العراقي.
ثالثاً: الريادة الرقمية وصناعة “الأجندة“: لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للترفيه، بل تحولت في يد الشباب العراقي إلى “سلطة رقابية” بديلة قادرة على صناعة الرأي العام وتوجيهه من خلال المحتوى الرقمي المبتكر والحملات الإلكترونية المنظمة، انتقل الشباب من مرحلة “استهلاك” المعلومة إلى مرحلة “إنتاجها” وفرضها على الإعلام التقليدي وعلى صناع القرار، مما جعل الفضاء الرقمي ساحة قيادية يتم فيها كشف الفساد ورسم ملامح السياسة العامة.
رابعاً: التأثير في الأجندة السياسية وإعادة تعريف الدولة: تجاوز الرأي العام الشبابي دور “المطالب” ليصل إلى دور “المؤثر الاستراتيجي” الذي يحدد أولويات الدولة؛ فمن خلال الضغط المستمر، أصبحت قضايا مثل محاربة الفساد الممنهج، وتعديل القوانين الانتخابية، وتوفير فرص العمل الاستثمارية، هي جوهر الخطاب السياسي في العراق، هذه القيادة أعادت تعريف مفهوم الدولة في الذهنية العراقية من “مغنم للقوى السياسية” إلى “مؤسسة لخدمة المواطن”، وهو التحول الأبرز في مسار الدولة العراقية الحديثة.
عموماً، يترتب على تحوّل الشباب إلى “دور القائد” إعادة صياغة شاملة للعقد الاجتماعي في العراق، حيث يؤدي ذلك إلى كسر احتكار الحقيقة والقرار الذي هيمنت عليه النخب التقليدية لعقود، مما يفرض نوعاً من “الرقابة الشعبية الدائمة” على أداء السلطة، هذا الدور القيادي يساهم في تجديد الدماء السياسية عبر دفع كفاءات شابة ومستقلة إلى واجهة الأحداث، مما يقلل من فرص الاستقطاب الطائفي ويعزز الاستقرار القائم على أسس وطنية، كما أن هذه الحالة تخلق حالة من التوازن بين الدولة والمجتمع، حيث لا يمكن تمرير السياسات العامة أو التشريعات دون أخذ نبض الشارع الشبابي بنظر الاعتبار، وهو ما يضع الدولة العراقية على مسار “الديمقراطية التشاركية” التي تلبي تطلعات الأجيال الصاعدة وتضمن استدامة الإصلاح.
خامساً: تحوّلات الرأي العام الشبابي في العراق بين التبعية والقيادة: دراسة تحليلية لمحتوى منصات التواصل الاجتماعي (2024-2026):
تم إجراء تحليل محتوى عبر الاستعانة ببرامج الذكاء الاصطناعي، لاستكشاف منصة التواصل الاجتماعي (فيسبوك) في البيئة العراقية للفترة الممتدة من الربع الأخير لعام 2024 وحتى مطلع عام 2026، ولقد توزّع المحتوى المتداول بخصوص دور الشباب بين “التبعية” و”القيادة” وفق المؤشرات والنسب الآتية:
أولاً: تحليل الاتجاهات: كشف تحليل المحتوى عن انقسام واضح في طبيعة الخطاب الشبابي المتداول، ويمكن رصد النسب العددية التقريبية لهذا التوجه كما يلي:
| فئة المحتوى | النسبة المئوية | طبيعة التفاعل (المؤشر) |
| خطاب القيادة والمبادرة | 55% | محتوى نقدي، حملات ضغط رقمي، مقترحات إصلاحية، ومبادرات مدنية مستقلة. |
| خطاب التبعية والولاء | 30% | إعادة نشر بيانات القوى التقليدية، الدفاع عن رموز سياسية، والمشاركة في حملات “الجيوش الإلكترونية. |
| خطاب الانكفاء والاغتراب | 15% | محتوى يركز على الهجرة، اليأس من التغيير، أو الانعزال التام عن الشأن العام. |
ثانياً: شرح الفئات الرئيسة للتحليل: من خلال فحص العينات الرقمية، يمكن تفسير هذه النسب بناءً على المعطيات الآتية:
- صناعة الأجندة الرقمية (دور القائد – 55%): أظهرت النتائج أن الشباب العراقي لم يعد مستهلكاً للمعلومة بل منتجاً لها، ورصد التحليل قدرة الشباب على فرض “وسوم” رقابية أجبرت المؤسسات الرسمية على الرد والتوضيح، هذا المحتوى يتسم بالاستقلالية المعرفية ورفض المرجعيات التقليدية، مما يعزز مفهوم “القيادة الأفقية”.
- الاستقطاب الهوياتي والاقتصادي (دور التابع – 30%): تبين أن قسماً من المحتوى لا يزال يخضع لتأثير “غرف الصدى”، وهذا ما يُعزى إلى توظيف الخطاب العاطفي والديني من قبل النخب التقليدية، إضافة إلى ضغط العامل الاقتصادي الذي يدفع البعض للترويج لجهات معينة مقابل الحصول على وعود وظيفية، وهو ما أسميناه في الدراسة “التبعية القسرية”.
- صدمة التمكين والانسحاب (دور الإحباط – 15%): لوحظت زيادة في نبرة “الإحباط السياسي” بعد انتخابات 2025 نتيجة العوائق الهيكلية التي واجهت القوى الشبابية، هذا المحتوى يعكس مخاطر “الاغتراب السياسي” الذي يؤدّي في النهاية إلى “الصمت السلبي” أو التفكير في الهجرة.
الاستنتاج التحليلي: تثبت هذه النسب بأن الرأي العام الشبابي العراقي يمر بمرحلة “القيادة القلقة”، فرغم تفوق خطاب القيادة والمبادرة عدداً وتأثيراً، إلا أن “كتلة التبعية” و”كتلة الاغتراب” لا تزالان تشكلان عائقاً أمام مأسسة هذا الرأي وتحويله إلى سلطة قرار حقيقية.
سادساً: العوامل المحددة لمسار الرأي العام الشبابي:
إن اتجاهات دور الرأي العام الشبابي بين التبعية والقيادة يتحدد وفق مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها:
أولاً: مستوى الوعي والتعليم النوعي: يُعد التعليم المحرك الأساسي لنقل الشاب من موقع “التابع” الذي يتلقى الأفكار الجاهزة إلى دور ومرتبة “القائد الفاعل” الذي يحللها نقدياً؛ فكلما زادت جودة التعليم وارتفعت مستويات الوعي بالحقوق والواجبات، تضاءلت قدرة الخطابات التضليلية على اختراق عقول الشباب، وفي الحالة العراقية يمكن لهذا العامل أي الوعي المعرفي، أنّ يساهم في تحويل الاندفاع العاطفي إلى “رؤية استراتيجية”، مما يضمن صمود الرأي العام أمام محاولات التلاعب الفكري وتوجيهه نحو قضايا التنمية الحقيقية.
ثانياً: درجة الانفتاح الإعلامي وحماية التعبير: تمثّل حرية الوصول إلى المعلومات وتوفر مساحات آمنة للتعبير، الضمانة الأساسية لنمو رأي عام شبابي “قائد” ومستقل عن الإعلام المؤدلج والموجّه، وتكمن الأهمية هنا بالنتيجة العملية، فعندما تتوفر بيئة إعلامية حرة، يتمكن الشباب من كشف ملفات الفساد وصناعة سردية وطنية مضادة، أما التضييق الرقمي قانونياً أو لذرائع أخرى، فإنه يدفع الرأي العام نحو “الانكفاء السلبي” أو التبعية الاضطرارية لتجنب الصدام، مما يعطل مفعول القيادة الشبابية.
ثالثاً: طبيعة استجابة السلطة للمطالب الشعبية: تحدد سياسة “الاستيعاب أو الإقصاء” التي تتبعها السلطة مسار الجيل؛ فإذا كانت السلطة تستجيب للمطالب بجدية، يتحوّل الرأي العام الشبابي إلى “شريك قائد” في بناء الدولة والمؤسسات، أما إذا قوبلت المطالب بالتجاهل أو الوعود الواهية، فإن ذلك يؤدي إلى انشطار الرأي العام بين “فئة محبطة” تنسحب من المجال العام (تبعية سلبية) مظهرها الأسمى عدم المشاركة بأنواعها كافة، وفئة أخرى قد تذهب نحو الراديكالية في التغيير نتيجة فقدان الثقة بالعملية السياسية.
رابعاً: وجود قيادات شبابية مستقلة ومنظمة: من الصعوبة على الرأي العام أن يقود المجتمع دون “رؤوس مدبرة” أو شخصيات قيادية بعقول فاعلة، تمتلك القدرة على تحويل التذمر الشعبي إلى حركة منظمة تمتلك الاستمرارية والنفَس الطويل، وهذا ما يحتاج إلى وجود نخب شبابية مستقلة عن التمويل والتبعية الحزبية، مما يمنح الرأي العام “الشرعية والمصداقية”، ويحوّل الحراك من مجرد “هبة عابرة” إلى قوة سياسية واجتماعية قادرة على التفاوض وفرض البدائل، بالشكل الذي يضمن انتقال القيادة من الفضاء الافتراضي إلى مراكز التأثير الفعلي.
بالنتيجة، إن غياب هذه العوامل يؤّدي إلى ارتداد الرأي العام الشبابي نحو “الاغتراب السياسي والاجتماعي”، حيث يتحوّل الشباب من طاقة بناءة إلى كتلة هامشية يسيطر عليها الإحباط واليأس من التغيير، بالتالي هذا الغياب يفتح الباب واسعاً أمام استعادة “الدور التابع” بصورته الأكثر خطورة، حيث يتم استقطاب الفئات الهشة اقتصادياً ومعرفياً من قبل القوى الراديكالية أو الشعبوية التي تستثمر في الفراغ القيادي والوعي المغيب، كما تترتب على ذلك ظاهرة “الانسحاب من المجال العام”، التي تعني صمت الكفاءات وهجرة العقول، مما يخلي الساحة للنخب التقليدية لتكريس هيمنتها، ويؤدي في نهاية المطاف إلى حالة من الركود الوطني الشامل وفقدان الدولة لبوصلة التجديد التي يمثلها جيل الشباب.
سابعاً: خارطة طريق التحول نحو “القيادة الواعية”: رؤية استراتيجية لعام 2026.
إن عملية الانتقال بالرأي العام الشبابي العراقي من مربع التبعية إلى فضاء القيادة المسؤولة، تتطلب من الجهات القائمة على صنع السياسات العامة الساعية ضمن إطار مدرك إلى استغلال مكامن معطيات القوة للعراق وهنا الديمغرافية بخصائصها النوعية، عبر تبنّي سياسات وطنية شاملة تستجيب للتحديات الراهنة، وتتمثّل في الآتي:
أولاً: تحديث المنظومة التعليمية والتسلّح بآليات التفكير النقدي: تعد المناهج الدراسية الخط الأول لإنتاج جيل مستقل، لذا تبرز ضرورة إدخال مادة تختص بـ “التربية المدنية والوعي السياسي” كضرورة وركيزة أساسية، مع التركيز المكثف على مهارات التحليل السياسي والإعلامي وأبعاد وآليات سيكولوجيا التأثير بالجماهير، وذلك لتمكين الشباب من فك شفرات الخطابات التضليلية الهادفة لإيقاعهم في دوائر التبعية، والأهم حماية استقلاليتهم المعرفية من الاختراق.
ثانياً: مأسسة المشاركة الشبابية في دوائر صناعة القرار: إن الانتقال من الحوارات الشكلية إلى “التمكين المؤسسي”، يتطلب من الحكومة العراقية، القيام بوضع السياسات الكفيلة بتفعيل المجالس الاستشارية الشبابية في المحافظات والوزارات، ومنحها صلاحيات حقيقية في مراقبة الأداء وتقديم المقترحات، حيث ستتجلى النتائج العملية بضمان تفعيل الطاقات الشبابية وتحوّلها من “قوة ضغط ميدانية” إلى “شريك فاعل” في صنع القرار السياسي.
ثالثاً: تحقيق الاستقلال الاقتصادي كمدخل للحرية السياسية: من الصعب فكرياً وسياسياً واجتماعياً الحديث عن رأي عام حر في ظل الحاجة المعيشية، لذا فإن إطلاق برامج تمويل وطنية ميسرة للمشاريع الشبابية بعيداً عن “الروتين الحزبي” و”المحاصصة”، يعد ضرورة لكسر حلقة التبعية الاقتصادية التي تُستخدم كأداة للابتزاز السياسي مقابل التوظيف والخدمات، وتحويل الشباب بالنتيجة إلى تابع مقيّد.
رابعاً: تعزيز الحماية القانونية للمجال الرقمي وحرية التعبير: إن حماية “قادة الرأي الجدد” من الملاحقات التعسفية تتطلب تشريعات عصرية تضمن حرية التعبير وتوفر بيئة رقمية آمنة، مما يسمح بنمو رأي عام شبابي ناقد وبناء، ويحول دون ارتداد الشباب نحو “الصمت السلبي” الناتج عن الخوف من القمع أو الإقصاء الممنهج، وهي حالات عامة شائعه حتى في البلدان المتقدمة التي تدعي الديمقراطية بطابعها الليبرالي، وليست محصورة بدولة ما، كما أنها ليست أصل بمقدار ما هي نتيجة.
خامساً: خلق قنوات حوار وطنية دائمة لردم هوة الاغتراب: يجب مأسسة مؤتمرات دورية تجمع القيادات الشبابية المستقلة بصناع القرار رفيعي المستوى، ليس كإجراء بروتوكولي، بل كآلية لتقليل فجوة الثقة المفقودة؛ مما يسمح للدولة بالاستفادة من طاقات الشباب كـ “بوصلة للتصحيح” وشريك في الاستقرار، لا كـ “خصم للنظام” السياسي، وهنا لا نحدد نظام بحد ذاته بل حالة عامة شائعة قابلة للإسقاط على العديد من البلدان التي تعاني فيها الطاقات الشبابية من استنزاف الدور والمضمون.
الخلاصة:
تخلص هذه الورقة البحثية إلى نتيجة جوهرية منشائها المجتمع والسلطة وتراكميات الدور السلبي مفادها، أن الرأي العام الشبابي في العراق يعيش صراعاً وجودياً بين “التبعية” القسرية و”القيادة” الناشئة، أو ما يمكن توصيفه بمرحلة “القيادة القلقة” ، فرغم محاولات النخب التقليدية إعادة صياغة الرأي عبر استغلال الروابط الهوياتية والضغط الاقتصادي لإبقائه ضمن “الدور التابع” ، إلا أن الشباب نجحوا في انتزاع “الدور القائد” نسبياً لغاية الآن من خلال ابتكار أدوات رقابة رقمية وخطاب وطني عابر للطوائف أسهم فعلياً في إعادة تشكيل المشهد العام، لذا وبالعودة إلى إشكالية الورقة، فإنّ الإجابة تكمن في أن الشباب العراقي لم يعد مجرد “خزان بشري” للتبعية، بل تحول إلى “بوصلة سياسية”، قادرة على فرض قضايا الإصلاح ومحاربة الفساد على الأجندة الوطنية، ولكن يبقى حسم هذا الدور كقوة قائدة مستدامة رهيناً بمدى قدرتهم على تجاوز عوائق التمكين السياسي ومأسسة حراكهم ليتحول من “رأي ضاغط” في الفضاء الافتراضي وغيره من مجالات التأثير الشبابي إلى “سلطة قرار” فاعلة داخل مؤسسات الدولة.
قائمة المراجع:
- لازارسفيلد، بول. ترجمة أو عرض نظري. نظرية تدفق الاتصال عبر مرحلتين.
- مجموعة باحثين. 2025. سيكولوجية الرأي العام والتمكين الرقمي في المجتمعات النامية. مستشهد بها في الأطر النظرية لورقة “الرأي العام الشبابي”.
- قائمة المراجع عبد الحميد، محمد (2010). الرأي العام: نظرياته وقياسه. القاهرة: عالم الكتب.
- حجازي، مصطفى (2005). الإنسان المهدور. بيروت: المركز الثقافي العربي
- عبد الله، إبراهيم (2018)، الشباب والمشاركة السياسية في العالم العربي. عمّان: دار المسيرة.
- تم توثيق هذا التحليل باستخدام المنهج الوصفي التحليلي وأداة تحليل المحتوى Content Analysis))، لرصد الاتجاهات الرقمية لعينة النوعية من الشباب العراقي للفترة (2024-2026)، وقد تم قياس الأوزان النسبية لخطاب “القيادة” و”التبعية” بناءً على مؤشرات سيكولوجية الرأي العام والتمكين الرقمي الموضحة في الإطار النظري للدراسة.
