الشباب كفاعل مؤجل في السياسة العامة العراقية

* م.د. عبد الرحمن محمد عيسى                            

المقدمة

تمثل فئة الشباب الكتلة الديمغرافية الأوسع في المجتمع العراقي وقد أسهم حضورها الكثيف في تشكيل التحولات الاجتماعية والسياسية خلال العقود الأخيرة، ولا يقتصر أثر هذا الثقل العددي على البنية السكانية لكنه يمتد ليؤثر في الاستقرار السياسي ومسارات السياسة العامة بوصف الشباب طاقة كامنة يمكن أن تكون عامل دعم أو مصدر توتر تبعا لمستوى إدماجهم في صنع القرار، ورغم ما يعلن في الخطاب الرسمي من اهتمام بتمكين الشباب وإشراكهم في الحياة العامة إلا أن موقعهم الفعلي داخل السياسة العامة العراقية لا يزال يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا الاهتمام وحدوده العملية، اذ ان الفجوة بين الاعتراف بأهمية الشباب وبين تحويل هذه الأهمية إلى سياسات وبرامج مستدامة تكشف عن إشكالية بنيوية تتعلق بكيفية فهم الدولة لدور الشباب، هل هم مجرد فئة مستهدفة بالسياسات أم شركاء حقيقيون في صياغتها وتقييمها، ومن هنا تنطلق هذه المقالة لتحليل مكانة الشباب في السياسة العامة في العراق من خلال إبراز أهميتهم الديمغرافية والسياسية، وتشخيص التحديات التي تعيق تمكينهم، وصولا إلى استشراف سبل واقعية لتعزيز حضورهم بوصفهم فاعلا أساسيا في بناء سياسات عامة أكثر استجابة لاحتياجات المجتمع وتحولاته.

اولا: الوزن الديمغرافي وحدود التأثير السياسي

مثل الشباب في العراق عنصرا مركزيا في تشكيل ملامح المجتمع واتجاهاته المستقبلية نظرا لثقلهم الديمغرافي وتأثيرهم المتزايد في المسار السياسي والاجتماعي للدولة، فوفق نتائج التعداد السكاني لعام 2025 بلغ عدد سكان العراق أكثر من (46) مليون نسمة مع توازن نسبي بين الذكور والإناث، الأمر الذي يعكس بنية سكانية مستقرة من حيث التوزيع النوعي لكنها شابة من حيث التركيب العمري، إذ تشير البيانات إلى أن ما يزيد على 60% من السكان ينتمون إلى الفئة العمرية المنتجة (15–64 سنة) مقابل نسبة مرتفعة من الفئات الأصغر سنا، وهو ما يؤكد أن العراق يمر بمرحلة هبة ديمغرافية واضحة.

هذه الخصوصية السكانية تمنح الشباب أهمية تتجاوز البعد العددي لتتحول إلى عامل حاسم في رسم مسارات السياسة العامة، فارتفاع نسبة الشباب يفرض على الدولة تحديات وفرصا متزامنة، إذ تصبح قضايا التشغيل والتعليم والخدمات العامة ملفات محورية تتوقف عليها قدرة النظام السياسي على تحقيق الاستقرار الاجتماعي، وإن تجاهل هذه الفئة أو التعامل معها بمنطق إداري محدود من شأنه أن يفاقم الاختلالات القائمة ويقوض فاعلية السياسات العامة،

ولا تنحصر أهمية الشباب في بعدها الديمغرافي لكن تمتد إلى بعدها السياسي والاجتماعي، باعتبارهم الفئة الأكثر تأثرا بمخرجات السياسات العامة على المدى المتوسط والبعيد، فقرارات الدولة في مجالات الاقتصاد والتعليم والإدارة العامة تنعكس بصورة مباشرة على فرص الشباب في الاندماج المجتمعي والمشاركة السياسية، وقد أظهرت التجربة العراقية أن الشباب باتوا أكثر وعيا بموقعهم ودورهم، وهو ما تجسد في تنامي الحركات الاحتجاجية والمبادرات الشبابية المطالبة بالإصلاح وتوسيع المشاركة في الشأن العام، من جهة أخرى يواجه الشباب تحديات هيكلية تحد من قدرتهم على التحول إلى فاعل مؤسسي داخل السياسة العامة وفي مقدمتها ارتفاع معدلات البطالة وضعف الفرص الاقتصادية ولا سيما بين خريجي الجامعات، ان هذه التحديات لا تؤثر فقط في الاستقرار المعيشي لكن تنعكس أيضا على مستوى الثقة بالسياسات العامة وقدرة الدولة على استيعاب الطاقات الشابة.

وبناء على ما تقدم فإن الأهمية الديمغرافية للشباب في العراق تقترن بأهمية سياسية حقيقية تجعل من إدماجهم في صنع السياسات العامة ضرورة استراتيجية لا خيارا ثانويا، ويتطلب ذلك إعادة النظر في المقاربات التقليدية والانتقال من التعامل مع الشباب بوصفهم فئة مستهدفة بالسياسات إلى اعتبارهم شركاء فاعلين في صياغتها وتنفيذها بما يسهم في تعزيز الاستقرار وبناء مستقبل سياسي أكثر استدامة.

ثانيا: غياب الشراكة في السياسة العامة

يواجه تمكين الشباب في السياسة العامة العراقية تحديات بنيوية عميقة تتجاوز الجوانب الإجرائية لتلامس طبيعة النظام السياسي وآليات عمله، فعلى الرغم من الثقل الديمغرافي الكبير للشباب والدور الذي برز لهم في محطات سياسية واجتماعية مفصلية لا يزال حضورهم في مواقع صنع القرار محدودا ولا يعكس وزنهم الحقيقي داخل المجتمع، ويكشف هذا الواقع عن فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي الذي يؤكد أهمية تمكين الشباب وبين الممارسة الفعلية للسياسات العامة التي ما تزال عاجزة عن إدماجهم بصورة مؤسسية فعالة.

سياسيا تعد هيمنة النخب الحزبية التقليدية من أبرز معوقات تمكين الشباب، إذ تواصل الأحزاب الاعتماد على قيادات تاريخية وشبكات نفوذ راسخة مما يحد من فرص تداول النخب وصعود الكفاءات الشابة، وينعكس ذلك في ضعف تمثيل الشباب داخل البرلمان والمجالس المحلية حيث غالبا ما يحصر دورهم في الأطر التنظيمية الدنيا أو في المهام التعبوية خلال الاستحقاقات الانتخابية، دون أن يمتد تأثيرهم إلى صياغة البرامج والسياسات.

وعلى المستوى المؤسسي تبرز محدودية فاعلية السياسات الحكومية الموجهة للشباب إذ إن العديد من الاستراتيجيات والمبادرات المعلنة افتقرت إلى آليات تنفيذ واضحة أو إلى موارد كافية فضلا عن ضعف التنسيق بين الجهات المعنية، وغالبا ما اقتصر دور المجالس أو اللجان الشبابية الاستشارية على تقديم توصيات غير ملزمة الامر الذي جعل تأثيرها في صنع السياسات العامة محدودا.

اما اقتصاديا تشكل البطالة المرتفعة بين الشباب عاملا ضاغطا يقيد مشاركتهم السياسية حيث تدفع هشاشة الأوضاع المعيشية كثيرا منهم إلى التركيز على تأمين فرص العمل أو التفكير في الهجرة على حساب الانخراط في الشأن العام، وقد مثلت هذه التحديات أحد الدوافع الرئيسة للاحتجاجات الشبابية المطالبة بإصلاح السياسات الاقتصادية والإدارية، إلى جانب ذلك تسهم العوامل الاجتماعية والثقافية في إعاقة تمكين الشباب حيث لا تزال بعض التصورات التقليدية تربط القيادة السياسية بالتقدم في السن مما يؤدي إلى تهميش غير مباشر لطاقات الشباب. وبناءا على هذه التحديات يتضح أن تمكين الشباب في السياسة العامة العراقية يتطلب إصلاحات شاملة تعالج بنية النظام السياسي وثقافة الحكم، وتنتقل من منطق الاحتواء الرمزي إلى منطق الشراكة الفعلية في صنع القرار.

ثالثا: الشراكة بوصفها مدخلا للتمكين

يتطلب تعزيز تمكين الشباب في السياسة العامة العراقية مقاربة شاملة تتجاوز المعالجات الجزئية أو الرمزية وتنطلق من إدراك أن الشباب ليسوا مجرد فئة مستفيدة من السياسات لكنهم فاعلا أساسيا في صياغتها وتوجيهها، فتمكين الشباب لا يتحقق عبر المبادرات الظرفية أو الخطاب الدعائي وإنما عبر إصلاحات مؤسسية وسياسية تعيد تعريف موقعهم داخل منظومة الحكم.

تبرز أهمية الانتقال من منطق الاحتواء إلى منطق الشراكة بوصفه مدخلا أساسيا لتمكين الشباب، ويعني ذلك إشراكهم بصورة فعلية في مختلف مراحل السياسة العامة بدءا من تشخيص المشكلات وصياغة البدائل، وصولا إلى التنفيذ والتقييم، فمشاركة الشباب في هذه المراحل تعزز من فاعلية السياسات وتكسبها شرعية اجتماعية أوسع، كما تسهم في تقليص فجوة الثقة بين الدولة والفئات الشابة، فضلا عن ذلك يعد الإصلاح المؤسسي أحد الشروط الجوهرية لتمكين الشباب من خلال تطوير أطر قانونية وتنظيمية تضمن تمثيلهم داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية، ويتطلب ذلك اعتماد آليات واضحة لدمج الشباب في اللجان الاستشارية، والمجالس المحلية، والهيئات المعنية بالتخطيط القطاعي مع منح هذه الأطر صلاحيات حقيقية تتجاوز الدور الاستشاري الشكلي.

ومن جهة أخرى لا يمكن فصل التمكين السياسي عن التمكين الاقتصادي والاجتماعي فتعزيز فرص التشغيل، ودعم المبادرات الريادية، وربط التعليم بمتطلبات سوق العمل، تشكل أدوات غير مباشرة لكنها حاسمة في تمكين الشباب من الانخراط في الشأن العام، فالشباب الذين يتمتعون باستقرار اقتصادي نسبي يكونون أكثر قدرة على المشاركة السياسية، وأكثر استعدادا لتحمل مسؤوليات العمل العام.

يكتسب بناء القدرات السياسية والمعرفية للشباب أهمية خاصة عبر برامج تدريبية تستهدف تطوير مهارات القيادة، وفهم السياسات العامة، وآليات الرقابة والمساءلة، ان مثل هذه البرامج لا ينبغي أن تقتصر على النخب الشابة لكن تمتد لتشمل شرائح أوسع بما يسهم في خلق قاعدة شبابية واعية قادرة على التفاعل الإيجابي مع مؤسسات الدولة، إلى جانب ذلك يشكل الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي فرصة مهمة لتعزيز مشاركة الشباب، إذا ما يعني توظيفها ضمن أطر مؤسسية منظمة تسهم في إيصال صوت الشباب إلى صانع القرار وتحويل التفاعل الرقمي إلى مدخل للتأثير في السياسات العامة بدلا من بقائه في إطار التعبير الاحتجاجي فقط.

وفي المحصلة فإن تعزيز تمكين الشباب في السياسة العامة العراقية يستدعي رؤية استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على الإصلاح المؤسسي، والتمكين الاقتصادي، وبناء القدرات، وتوسيع قنوات المشاركة، ومن دون تبني هذه المقاربة المتكاملة سيبقى حضور الشباب محدودا وستفقد السياسة العامة أحد أهم مصادر تجديدها وفاعليتها في المجتمع العراقي.

الخاتمة

أن مكانة الشباب في السياسة العامة العراقية لا تقاس بثقلهم الديمغرافي وحده لكن بقدرة الدولة على تحويل هذا الثقل إلى شراكة سياسية فعلية، فاستمرار الفجوة بين الخطاب التمكيني والممارسة المؤسسية يحد من فاعلية السياسات العامة ويقوض فرص الاستقرار المستدام، وبالتالي فإن تمكين الشباب يمثل خيارا استراتيجيا لبناء سياسة عامة أكثر شمولا واستجابة لتحولات المجتمع العراقي.

* تدريسي في كلية العلوم السياسية، جامعة النهرين، [email protected]