الشباب والاحزاب السياسية: قراءة تحليلية في الجمود البيروقراطي وافاق التجديد
نايري عبد الله نعيم/ جامعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات/ كلية معلوماتية الاعمال
تشكل فئة الشباب أحد الركائز الاساسية في بناء المجتمع لما تمتلكه من قدرات بشرية وفكرية قادرة على احداث التغيّر في المجتمع من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. غير انه واقع الشباب في الاحزاب السياسية في الدول النامية ولاسيما العراق يكشف بانه هنالك فجوة ما بين التنظير والتطبيق، أي أن هنالك اختلافات الواقع والتطبيق الفعلي. فنلاحظ الخطاب الحزبي الذي يدعم مشاركة الشباب في الاحزاب وبين الواقع والتطبيق الفعلي داخل الاحزاب السياسية والعمل السياسي، مما حد من قدرة الشباب في العمل السياسي.
أهمية الدراسة: تأتي أهمية هذه الورقة البحثية في أثراء ادبيات المشاركة السياسية داخل الأحزاب السياسية. وكذلك تقدم هذه الورقة رؤية نقدية لواقع الأحزاب السياسية العراقية لحثها على إعادة هيكلة بنيتها التنظيمية. وتساعد هذه الروقة على حث الشباب على العمل السياسي الميداني.
هدف الدراسة: تهدف هذه الورقة البحثية تحليل واقع الشباب داخل الأحزاب السياسية وتوضيح الأسباب التي تعيق عمل الشباب داخل الأحزاب السياسية ومواقع صنع القرار. فضلاً عن وضع الأدوات والوسائل التي تعزز من العمل السياسي للشباب وتحقق التجديد داخل الأحزاب السياسية.
أشكالية الدراسة: تأتي إشكالية الورقة البحثية لتؤكد إلى أي مدى يسهم هذا الجمود البيروقراطي في إعاقة العمل السياسي للشباب؟ وهل هنالك وسائل ممكنة نعمل من خلالها على معالجة الخلل التنظيمي داخل الأحزاب السياسية وتحقيق التجديد والإصلاح السياسي؟
فرضية الدراسة: تأتي فرضية الورقة البحثية لتؤكد بأنه على الرغم من الخطاب الحزبي الداعم لفكرة وجود الشباب داخل الأحزاب السياسية ومواقع صنع القرار غير أن هنالك جمود بيروقراطي يعيق من عمل الشباب داخل الأحزاب السياسية ويختزلهم في أدوار هامشية رمزية. كما يمكن تحقيق الإصلاح عن طريق تمكين الشباب سياسياً.
منهجية الدراسة: اعتمدت الورقة البحثية على المنهج الوصفي لوصف الجمود البيروقراطي واسبابه ومظاهره وانعكاساته. وكذلك اعتمدت الورقة البحثية المنهج التحليلي لتحليل واقع الشباب داخل الأحزاب السياسية وتوضيح الوسائل الممكنة التي تعزز من وجود الشباب في العمل السياسي في حال اعطائهم الفرص داخل وخارج الأحزاب السياسية.
هيكلية الدراسة: انقسمت الورقة البحثية إلى محورين فضلاً عن المقدمة والخاتمة والنتائج والتوصيات. فقد تناول المحور الأول الجمود البيروقراطي واسبابهُ ومظاهره وانعكاساتهُ. أما المحور الثاني فقد تناول القراءة التحليلية لواقع الشباب داخل الأحزاب السياسية وافاق التجديد.
المحور الأول: الجمود البيروقراطي, أسبابهُ, مظاهره, انعكاساتهُ
يعرف الجمود البيروقراطي بأنه انغلاق تنظيمي يصيب المؤسسات والتنظيمات السياسية وأبرزها الاحزاب السياسية، إذ تميل الاحزاب الى الحفاظ على انماطها التقليدية ولاسيما احتكار القرار الحزبي للنخب التقليدية وعدم تحديث قيادتها ورفض التجديد، مما يعيق التجديد ويحدّ من الفعالية والاستمرارية للأحزاب السياسية بشكل خاص والعملية السياسية بشكل عام.
أسباب الجمود البيروقراطي
1_ خشية القيادات الحزبية من فقدان النفوذ والهيمنة والامتيازات داخل الأحزاب السياسية.
2_ غياب التداول السلمي للسلطة داخل الأحزاب السياسية.
3_ سيادة الثقافة السلطوية وهيمنة فكرة القائد والزعيم الأوحد.
4_ التوظيف المدروس والممنهج للبيروقراطية؛ بسبب سوء الإدارة والتنظيم داخل الأحزاب السياسية.
مظاهر الجمود البيروقراطي
1_ ضعف السياسات الحزبية والقوانين والأنظمة الداخلية للأحزاب السياسية.
2_ دور الشباب هامشي وشكلي دون أدوار حقيقية وفعلية تعكس طموحات الشباب الواقعية.
المحور الثاني: قراءة تحليلية لدور الشباب في الأحزاب السياسية: الواقع وافاق التجديد
تشكل فئة الشباب مرتكز اساسي في تكوين المجتمعات المعاصرة؛ لأنهم الفئة الأكثر عدداً ونشاطاً وحيوية والأكثر تأثراً بالتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تحدث في أي بلد. كما أن وجود الشباب في الأحزاب السياسية ضرورة استراتيجية للاستمرار وادامة الحزب السياسي؛ لان وجود الشباب يعزز القاعدة الشعبية وتجديد الخطاب السياسي بشكل يلائم الواقع الاجتماعي والتطورات المعاصرة التي تحدث في العالم. فضلاً عن ذلك وجود الشباب في الحزب السياسي يعمل على انتاج وتكوين قيادات سياسية مستقبلية، مما يعزز استمرارية الحزب ويحقق الشفافية والنزاهة ويعالج القصور التنظيمي والفكري، وبالتالي يتحقق الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي. ومثال على ذلك بارون ترامب الذي لعب دوراً في الحملة الانتخابية لدونالد ترامب في جعل الشباب الفئة العمرية على انتخاب ابية وتعزيز القاعدة الشعبية. غير أنه في العراق هنالك غياب واضح لفئة الشباب للعمل داخل الأحزاب السياسية او العمل السياسي داخل مؤسسات صنع القرار، ويعود ذلك لعدة أسباب تمكن تشخيصها:
1_ أسباب إدارية المتمثلة بالبيروقراطية التي تعتقد بأن الشباب لا يتملكون الخبرة في الإدارة والقيادة وغير جدير في تحمل المسؤولية، ومن ثم هذا الاعتقاد عزز من هيمنة القيادات التقليدية داخل الأحزاب السياسية ومؤسسات صنع القرار.
2_ أسباب قانونية وانتخابية تعرقل عمل الشباب داخل السياسية، وكذلك اللوائح الحزبية والأنظمة الداخلية للأحزاب السياسية تعزز من هيمنة القائد الأوحد ومركزية القرار للقيادات التقليدية.
3_ أسباب سياسية وتاريخية، فمنذ تأسيس الدولة العراقية حدثت العديد من التطورات السياسية متمثلة بالاحتلالات والانتفاضات الشعبية والانقلابات العسكرية وسيطرة الدكتاتورية والشمولية وفوضى التحول الديمقراطية والطائفية، هذه التطورات السياسية عرقلت دخول الشباب للعمل السياسي.
4_ أسباب اقتصادية المتمثلة بالخلل البنيوي الذي يعاني منه النظام السياسي فالعراق دولة ريعية تعتمد على النفط بشكل كبير وضعف القطاع الخاص وغياب التخطيط الاستراتيجي وتخبط القرارات، مما آثر على جودة حياة المواطنين والبطالة وزيادة العبء على الدولة. ومن ثم هذه الاسبات خلقت حالة من عدم الثقة والإحباط لدى الشباب بالحكومات، مما جعل الشباب يركزون على العمل الفردي والهجرة او إيجاد وظيفة تسد احتياجاتهم الأساسية بعيداً عن العمل السياسي.
5_ أسباب اجتماعية متمثلة بالمجتمع العراقي القائم على أساس عرقي وقبلي وديني وقومي, إذ يعطي الأولوية للطائفة او القومية على حساب الهوية العراقية ومبدأ المواطنة, ومن ثم آثر هذا التنوع الاجتماعي على الاستقرار السياسي للدولة العراقية. أي أصبح التنوع الاجتماعي سكين غرز في خاصرة الدولة العراقية بدلاً من أن يكون عامل استقرار وقوة تعزز من سيادة الدولة.
وعلاوة على ذلك، هنالك غياب واضح لدور الشباب في العمل السياسي، وكذلك حضور رمزي وهامشي في الأحزاب السياسية ومواقع صنع القرار. وعليه هنالك سؤال يفرض نفسه هل يمكن تحقيق التحديث للأحزاب السياسية وتحقيق والاصلاح السياسي والازدهار الاقتصادي؟
نعم, يمكن تحقيق ذلك عن طريق تمكين الشباب سياسياً وزجهم في مواقع صنع القرار والقيادة الحزبية؛ لان وجود الشباب في مواقع صنع القرار يمكن ان يحسن جودة صياغة السياسات الحزبية ويعزز الاستقرار السياسي والمجتمعي ويعمل على تحديث اللوائح الحزبية والقوانين الانتخابية بما يلائم التطورات التكنولوجية والرقمية, ويعزز من التطوير والابتكار؛ لان الشباب لديهم القدرة على فهم ومواكبة التطور التكنولوجي عكس القيادات الهرمية, ولأننا نعيش في عالم رقمي يتطلب النهوض بالشباب وتدريبهم على استخدام التقنيات الحديثة, مما يعالج الفجوة الرقمية بينا وبين العالم الخارجي وينعكس ايجابياً على المجتمع والدولة. فكلما تحقق الإصلاح السياسي تحقق الازدهار الاقتصادي.
نتائج الدراسة:
تكشف الدراسة على أن:
1_ اللوائح الحزبية والأنظمة الداخلية للأحزاب التقليدية عززت من هيمنة القيادات التقليدية وقيدت قدرة الشباب في العمل السياسي داخل الأحزاب السياسية.
2_ وجود فجوة كبيرة ما بين القيادات التقليدية والشباب؛ بسبب الخلل التنظيمي البيروقراطي المتوارث والمستمر داخل الأحزاب السياسية.
3_ مركزية القرار داخل الأحزاب السياسية واحتكاره للقيادات التقليدية داخل الأحزاب السياسية مما جعل وجود الشباب داخل الأحزاب بشكل هامشي ورمزي.
خاتمة
نخلص مما تقدم, أن وجود الشباب داخل الأحزاب السياسية او المشاركة في الحياة السياسية او مواقع صنع القرار ضرورة استراتيجية لبناء وتطوير النظام السياسي للدولة واستدامة عمل الأحزاب السياسية بشكل يلائم التطورات المعاصرة. وأن الإصلاح السياسي والازدهار الاقتصادي ومواكبة عجلة التطور التكنولوجي لا يتحقق الا عن طريق تمكين الشباب سياسياً وزجهم في مواقع صنع القرار والقيادة الحزبية. كما أن استمرار انتاج النخب التقليدية واحتكار القرار واقصاء فئة الشباب أو حصر الشباب بأدوار هامشية وشكلية يؤدي إلى انعدام الثقة بين الشباب والقوى السياسية وضعف المواطنة وتراجع المسؤولية لدى الشباب تجاه المجتمع والدولة, مما يؤثر على الاستقرار السياسي والاجتماعي للدولة.
التوصيات
1_ تمكين الشباب سياسياً عن طريق إقامة الدورات والندوات السياسية.
2_ تطوير المناهج التعليمية ولاسيما مناهج كليات العلوم السياسية؛ لان اختصاص العلوم السياسية هو التخصص الذي يدرس الدولة والحكومة والمجتمع والعلاقات الدولية والدبلوماسية والاستراتيجية والسياسة الدولية والاقتصاد الدولي والقانون الدولي والقانون الدستوري والقانون الدولي الإنساني والفكر السياسي والفلسفة السياسية. أذن لابد من المام طالب العلوم السياسية بتخصصه وتدريبهُ على القيادة السياسية والحزبية وكيف يكون صانع قرار سياسي مستقبلاً.
3_ وضع قوانين وتشريعات تعزز من قدرة الشباب على العمل السياسي داخل الأحزاب السياسية او المشاركة في الحياة السياسية.
4_ العمل على التداول السلمي للسلطة او الانتخابات الداخلية وتعزيز الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية.
5_ حث القيادات الحزبية التقليدية على تعديل اللوائح الحزبية والنظام الداخلي للأحزاب بشكل يعزز من فرص الشباب ويشجعهم على العمل السياسي.
