فرص الشباب في العراق بين السياسة وسوق العمل

* م.د. نورالدين عبدالله نايف

المقدمة

تعد فرص العمل المؤشر الأكثر حساسية لقياس علاقة الشباب بالدولة لأنها تمس مباشرة قدرة الفرد على الاستقرار والاندماج الاجتماعي وبناء المستقبل، وفي العراق تتقاطع مسألة فرص الشباب مع بنية اقتصادية ريعية، وسوق عمل محدود الإنتاج، وسياق سياسي متقلب الامر الذي يجعل الشباب في مواجهة معادلة معقدة لا تختزل في البطالة وحدها لكن تمتد إلى طبيعة الفرص المتاحة وجودتها واستدامتها، وبناءا على ذلك تستند هذه المقالة على مقاربة تربط بين سوق العمل والسياسة العامة لفهم كيف تتشكل فرص الشباب في العراق، وكيف تتأثر بالخيارات السياسية والاقتصادية، وصولا إلى استكشاف مسارات واقعية لإصلاح هذا الاختلال.

أولا: سوق العمل في العراق وفرص الشباب

يتصف سوق العمل في العراق بخصائص بنيوية معقدة تحد من قدرته على استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين الجدد إلى سوق العمل وخصوصا فئة الشباب، ويعد الاعتماد على التوظيف الحكومي كمشغل رئيس في بيئة اقتصادية ريعية من أهم مظاهر هذا الوضع، إذ يظل القطاع العام المصدر الأساسي للوظائف بينما يواجه القطاع الخاص تحديات متعددة في قدرته على خلق فرص عمل مستدامة، ان تلك البنية المعيارية في سوق العمل تجعل فرص الشباب مرتبطة بإمكانات الدولة المالية وبوابات التوظيف الحكومي أكثر مما تتوقف على حركية الاقتصاد وإمكاناته الإنتاجية.

تنعكس هذه البنية على واقع البطالة بين الشباب بشكل واضح في البيانات الدولية وفق أحدث تقديرات البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية، اذ بلغ معدل البطالة بين الشباب العراقي (عمر 15–24 عاما) نحو 32.09%  في عام 2024،[1] وهي نسبة تزيد بكثير عن متوسط معدلات البطالة العالمية للشباب وتدل على حجم التحدي الكبير في توفير فرص عمل لهم، هذا المعدل يشير إلى أن ثلث القوى العاملة الشابة غير قادر على إيجاد عمل مع بقائهم في سوق العمل في سن البحث عن وظيفة مما يفاقم أبعاد التهميش الاجتماعي والاقتصادي الذي تواجهه هذه الفئة المهمة، وتؤثر هذه الأرقام بشكل مباشر في فرص الشباب في الاندماج الاقتصادي لا سيما أن هناك فجوة واضحة بين مخرجات النظام التعليمي ومتطلبات سوق العمل، فعلى الرغم من التوسع في التعليم العالي خلال السنوات الماضية لا تزال أغلب البرامج التعليمية تركز على التخصصات النظرية التقليدية في حين يشهد سوق العمل طلبا متزايدا على المهارات التطبيقية والتقنية والرقمية، ويترتب على ذلك أن الكثير من خريجي الجامعات ينتهي بهم المطاف إلى حالات من البطالة المقنعة أو القبول بوظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم مما يقلص من إمكانية استثمار رأسمالهم البشري في نشاطات اقتصادية منتجة.

ومن جهة أخرى يبقى ضعف البيئة الاستثمارية وعدم الاستقرار التشريعي عوامل أخرى تعرقل توسيع قاعدة الفرص داخل القطاع الخاص، اذ ان تعقيد الإجراءات الإدارية، وتذبذب السياسات الاقتصادية، وعدم وضوح آليات حماية المستثمرين تجعل من دخول السوق أمرا محفوفا بالمخاطر، وهذا الوضع يحول دون قيام القطاع الخاص بدور فاعل في خلق فرص العمل التي يحتاجها الشباب بكثافة.

لا تقتصر مشكلة الشباب على نقص فرص العمل فقط لكن تمتد إلى الفجوة بين التعليم والمهارة المطلوبة حيث يميل سوق العمل الحديث إلى احتياج مهارات أكثر تخصصا في التكنولوجيا والابتكار، وهي مجالات لا يزال النظام التعليمي في العراق يتأخر في تجهيز الشباب لها بشكل كافٍ، ويؤدي هذا الاختلال إلى إضعاف تنافسية الشباب في سوق العمل، وجعلهم أكثر عرضة للبطالة أو العمل في مجالات غير مرتبطة بتخصصاتهم، وتشير تقارير إحصائية أيضا إلى تفاوت واضح في معدلات البطالة بين الجنسين إذ بلغت نسبة بطالة الشباب الإناث في العراق نحو  (62.68%)من إجمالي قوة العمل النسائية في الفئة العمرية نفسها عام 2024 وهي نسبة مرتفعة للغاية، وهذا يعكس وجود فجوات هيكلية إضافية تواجه المرأة الشابة في الاندماج في سوق العمل.

وعلى الرغم من بعض المؤشرات التي تشير إلى انخفاض عام في معدل البطالة الإجمالي في العراق إلى نحو (13%)في عام 2024، نتيجة مشاريع تنموية وزيادة مساهمة القطاع الخاص في بعض القطاعات، إلا أن هذه التحسنات لم تترجم بشكل واضح إلى انخفاض مماثل في بطالة الشباب مما يشير إلى أن الفجوة بين الشباب وسوق العمل ما زالت قائمة ومعقدة.

ومن خلال ماتقدم يصبح واضحا أن الأزمة في سوق العمل العراقي ليست مجرد قضية نقص وظائف فحسب لكنها أزمة هيكلية تتعلق بقدرة الاقتصاد على استيعاب طاقات الشباب، وربط المهارات التعليمية بمخرجات السوق، وتوفير بيئة استثمارية جاذبة قادرة على خلق فرص عمل متنوعة ومستدامة، لذلك فإن التعامل مع أزمة البطالة بين الشباب يتطلب منظومة إصلاحية متكاملة تمتد من التعليم إلى السياسات الاقتصادية، ومن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة إلى تشجيع ريادة الأعمال، بحيث تكون الفرص متاحة للشباب ليس فقط في الكم لكن في جودة الوظائف واستدامتها.

ثانيا: تأثير السياسة في سوق العمل وانعكاساته على الشباب

لا يمكن فهم واقع فرص الشباب في العراق بمعزل عن تأثير السياسة في توجيه الاقتصاد وسوق العمل حيث تشكل الخيارات السياسية الإطار الحاكم لطبيعة الفرص المتاحة وحدودها، فالسياسة لا تؤثر فقط في إدارة الموارد العامة أو رسم أولويات الإنفاق لكن تحدد أيضا شكل العلاقة بين الدولة والسوق، وتنعكس بصورة مباشرة على أنماط التشغيل وإمكانيات النمو الاقتصادي، وفي السياق العراقي أسهم اعتماد الدولة على الاقتصاد الريعي القائم أساسا على عائدات النفط في ترسيخ نموذج تشغيل يعتمد على التوظيف الحكومي بوصفه أداة اجتماعية وسياسية لإدارة الاستقرار، أكثر من كونه خيارا اقتصاديا قائما على منطق الإنتاج والاستدامة، وقد أدى هذا النموذج إلى ربط فرص العمل بدورات الإنفاق العام والتقلبات السياسية والمالية بدل ربطها بحيوية السوق وقدرته على خلق وظائف مستقلة عن الدولة.

إلى جانب ذلك أسهم تسييس بعض مفاصل التوظيف في إضعاف معايير الكفاءة وتكافؤ الفرص، إذ بات الوصول إلى الوظيفة ولا سيما في القطاع العام مرتبطا في كثير من الأحيان باعتبارات غير اقتصادية مثل الانتماء السياسي أو شبكات النفوذ، وقد عزز هذا الواقع شعورا متناميا لدى الشباب بأن الجدارة والمؤهلات لا تشكل دائما الأساس الحاكم للتوظيف، وهو ما ينعكس سلبا على الدافعية الفردية ويقوض الثقة بالمؤسسات العامة ويضعف الحافز على تطوير المهارات والقدرات المهنية.

كما أن ضعف مشاركة الشباب في صنع السياسات الاقتصادية والتشغيلية أسهم في تعميق الفجوة بين احتياجاتهم الفعلية وبين ما تنتجه السياسات العامة، فالسياسات التشغيلية غالبا ما تصاغ من منظور إداري قصير الأمد يركز على امتصاص البطالة بشكل مؤقت عبر التعيينات أو البرامج الظرفية دون معالجة الأسباب البنيوية المرتبطة بطبيعة الاقتصاد، وضعف القطاع الخاص، واختلال العلاقة بين التعليم وسوق العمل، وفي ظل غياب صوت الشباب عن دوائر القرار تبقى هذه السياسات بعيدة عن الواقع اليومي لتحدياتهم، ونتيجة لهذا المسار يجد الشباب أنفسهم أمام خيارات محدودة لا تعبر عن طموحاتهم أو مؤهلاتهم تتمثل في انتظار فرصة وظيفية حكومية قد لا تأتي أو اللجوء إلى الهجرة بحثا عن فرص أفضل أو الانخراط في أعمال غير مستقرة ضمن الاقتصاد غير المنظم بما يحمله ذلك من هشاشة وظيفية وانعدام للضمانات الاجتماعية، وهذه الخيارات لا تمثل حلولا فردية فحسب لكن تعكس خللا بنيويا في العلاقة بين السياسة وسوق العمل، حيث تتحول طاقات الشباب من مورد تنموي محتمل إلى تحدٍ اجتماعي واقتصادي مستمر.

ثالثا: سبل إصلاح واقع فرص الشباب

يتطلب إصلاح واقع فرص الشباب في العراق مقاربة شاملة تنطلق من إعادة بناء العلاقة بين السياسة وسوق العمل، وأولى خطوات الإصلاح تتمثل في الانتقال من منطق التشغيل الريعي إلى منطق الاقتصاد المنتج عبر دعم القطاعات القادرة على خلق فرص عمل مستدامة مثل الصناعة الخفيفة، والزراعة الحديثة، والخدمات التقنية، فتنويع الاقتصاد لا يمثل خيارا تنمويا فحسب لكن ضرورة اجتماعية لاستيعاب الطاقات الشابة، بالإضافة الى ذلك يقتضي الإصلاح إعادة مواءمة النظام التعليمي مع احتياجات السوق من خلال تطوير المناهج، وتعزيز التعليم المهني والتقني، وربط التدريب بفرص العمل الفعلية.

وعلى المستوى السياسي يتطلب تحسين فرص الشباب تعزيز الشفافية في سياسات التوظيف، وتقليص التدخلات غير الاقتصادية في سوق العمل، بما يعيد الاعتبار لمعيار الكفاءة، كما أن إشراك الشباب في النقاشات المتعلقة بالسياسات الاقتصادية والتشغيلية يسهم في صياغة حلول أكثر واقعية واستجابة لتحدياتهم، كما ان إن تحسين البيئة الاستثمارية، وتبسيط الإجراءات، وضمان الاستقرار التشريعي تمثل عناصر أساسية لتمكين القطاع الخاص من أداء دوره بوصفه محركا رئيسا لخلق فرص العمل، فبدون سوق عمل نشط ومتنوع ستبقى فرص الشباب محدودة وسيظل الاقتصاد عاجزا عن تحويل طاقاتهم إلى قيمة مضافة حقيقية.

الخاتمة

تكشف هذه المقالة أن أزمة فرص الشباب في العراق ليست نتاج سوق عمل ضعيف فحسب لكنها نتيجة تداخل معقد بين السياسة والاقتصاد، اذ ان معالجة البطالة دون إصلاح السياسات الاقتصادية أو فصل سوق العمل عن الخيارات السياسية لن يفضي إلى نتائج مستدامة، ولذلك فإن تحسين فرص الشباب يتطلب رؤية متكاملة تعيد بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية وتضع الشباب في صميم السياسات بوصفهم ركيزة للاستقرار والتنمية معا.