أ.د. همسة قحطان خلف جامعة بغداد – كلية العلوم السياسية

استراتيجية تمكين المرأة العراقية

يُقصد بتمكين المرأة تطوير مشاركتها وتنمية قدراتها ووعيها ومعرفتها، بما يحقق لها حضورًا فاعلًا في الجوانب المادية والنفسية والاجتماعية والسياسية، ويمنحها القدرة على التعامل مع واقعها وتحدياتها، ووضع الحلول للمشكلات التي تواجه مسيرتها، وصولًا إلى درجة من المساواة مع الرجل تمكّنها من الإسهام بفعالية في بناء المجتمع وتطويره.

وتمثّل عملية تمكين المرأة مسارًا مخطّطًا يهدف إلى رفع ثقتها بنفسها وتنمية شعورها بالقوة والقدرة على اتخاذ القرار، وبناء إمكاناتها الإدارية والقيادية بما يساعدها على الانتقال من دائرة التهميش الاجتماعي والسياسي إلى دائرة العمل والإدارة والمشاركة في الحياة العامة وتحمّل المسؤولية، ويُعد تعطيل دور المرأة خسارةً لنصف طاقات المجتمع وإمكاناته.

معوّقات تمكين المرأة في العراق

تواجه عملية تمكين المرأة في العراق جملة من التحديات، من أبرزها:

1- هيمنة الثقافة التقليدية والقيم الاجتماعية الموروثة التي تنظر إلى المرأة بوصفها كيانًا تابعًا لا يمتلك القرار، وتفرض عليها الخضوع لسلطة الأب أو الأخ أو الزوج.

2- التمييز بين الرجل والمرأة في فرص العمل والأجور وعدم المساواة في بيئات العمل.

3- عدم إنصاف المرأة في التشريعات والقوانين النافذة ولاسيما في مجال الأحوال الشخصية.

4- تبعية المرأة الاقتصادية للأسرة أو الزوج وعدم تمتعها بالاستقلال المالي.

5- ضعف فرص وصول المرأة إلى المناصب القيادية في مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية.

6- المخاوف والقلق والشعور بعدم الأمان في الفضاء العام وأماكن العمل نتيجة ظاهرة التحرش والخجل من الإفصاح عنها، الأمر الذي يدفع كثيرات إلى الانعزال وتجنب المشاركة.

محاور استراتيجية تمكين المرأة 

تُعدّ الاستراتيجية خطة عمل تهدف إلى استثمار الموارد والطاقات البشرية وتوجيهها نحو تحقيق أهداف محددة ضمن إطار زمني معيّن ،وتمثّل استراتيجية تمكين المرأة جزءًا من منظومة التنمية المستدامة للدولة، إذ تسعى إلى مواجهة عوامل التخلف وتعزيز مسارات التقدم عبر تنمية قدرات أفراد المجتمع ورفع مستوى معيشتهم وإتاحة فرص التعليم والعمل وفق مبدأ الكفاءة والاستحقاق، وتندرج عملية تمكين المرأة ضمن هذا المسار بوصفها عنصرًا رئيسًا من عناصر التنمية البشرية.

المحور الاجتماعي

يُعدّ المحور الاجتماعي الركيزة الأساس لبقية محاور التمكين، إذ إن واقع المرأة الاجتماعي ما يزال محكومًا بمنظومة الطاعة والتبعية داخل الأسرة والمجتمع ومحيط العمل، وهو ما يضعف استقلاليتها الاقتصادية والنفسية، ويجعلها غير قادرة على ممارسة دور قيادي أو اتخاذ قرار مستقل، لذلك يتوجب معالجة هذا الواقع عبر برامج موجهة لتطوير المرأة في البيئات الحضرية والريفية، والارتقاء بظروفها الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية بما يمكّنها من المشاركة الإيجابية في الاسرة والمجتمع.

ويعد  دو المرأة الواعية عنصرًا أساسيًا في بناء المجتمع، بوصفها الركن الجوهري في استقراره واستدامته، وانطلاقًا من ذلك، ينبغي أن يتضمن المحور الاجتماعي برامج تنموية موجّهة للمرأة في المدن والريف، من خلال دراسة التحديات والمعوّقات التي تواجه مسار التطوير، واقتراح حلول عملية لمعالجتها ،ويمكن للجامعات ومراكز الدراسات والبحوث أن تسهم بفاعلية في هذا المجال عبر إجراء الدراسات العلمية المتخصصة،كما تتحمل مؤسسات التربية والتعليم مسؤولية كبيرة في دعم هذا المسار، ولا سيما في مجالات محو الأمية وتعليم الفتيات ، وكذلك تتولى وزارات الدولة المعنية، مثل وزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية، توفير الخدمات الصحية والاجتماعية اللازمة، فضلا عن   برامج الأمومة والطفولة والتوعية الأسرية التي تعزز الترابط الاجتماعي وتدعم التنمية الإنسانية الشاملة.

المحور الاقتصادي

يرتبط تحقيق التمكين الاقتصادي للمرأة بتحسين الواقع الاجتماعي وتعزيز مسارات التنمية الاقتصادية من خلال الإصلاح المؤسسي، الذي يقوم على تحقيق العدالة في إدارة وتوزيع الثروة الوطنية، وتوفير فرص العمل، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تسهم في تعزيز الاستقلال الاقتصادي للمرأة.

ويشمل محور التمكين الاقتصادي مجموعة من الإجراءات من أبرزها:

1- إنشاء مراكز مختصة لتطوير مهارات المرأة وتأهيلها في مجالات الإدارة والقيادة والمهن الحرفية والتقنية، مثل الحاسوب والفنون وإدارة الأعمال الحرة.

2- تنظيم دورات تدريبية تتوافق مع احتياجات سوق العمل وتطلعات النساء.

3- تشجيع تشغيل المرأة في القطاعين العام والخاص وفق مبدأ تكافؤ الفرص والاختصاص والخبرة.

4- دعم مبادرات التدريب والتسويق للمنتجات النسوية، وتقديم برامج إرشاد مهني تسهم في تعزيز مشاركتها الاقتصادية.

وبذلك يسهم التمكين الاقتصادي في تعزيز دور المرأة بوصفها شريكًا فاعلًا في عملية التنمية المستدامة وصنع القرارات الاقتصادية.

المحور السياسي

يُعدّ التعليم المدخل الجوهري لتمكين المرأة سياسيًا عبر مختلف المراحل التاريخية والاجتماعية؛ إذ يمثّل أحد أهم أدوات تجاوز التهميش الاجتماعي والاقتصادي، ويسهم في الارتقاء بمكانة المرأة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا، كما يزوّدها بالمعارف والمهارات اللازمة للاندماج في سوق العمل، وتعزيز قدراتها على تحقيق ذاتها والمشاركة الفاعلة في المجال العام، فضلًا عن دوره في إعادة تشكيل التصورات المجتمعية التقليدية بشأن المرأة ومكانتها.

كما يسهم التعليم كذلك في تطوير الثقافة السياسية للمرأة، بما يتيح رفع مستوى الوعي السياسي لدى الجنسين، من خلال إدراكهم لطبيعة النظام السياسي وبُناه المؤسساتية، وانعكاسات ذلك على علاقتهم بالدولة والمجتمع، ويمكن قياس ذلك عبر عدد من المؤشرات، من أبرزها:

1- مستوى إدراك المواطنين لطبيعة النظام السياسي ووظائف مؤسساته.

2- درجة الارتباط والانتماء الوطني لدى المواطنين، من النساء والرجال على السواء.

3-  مستوى الرضا الشعبي عن القرارات والسياسات الصادرة عن السلطة السياسية.

4- قدرة النظام السياسي على الاستجابة لمطالب المجتمع وتحويلها إلى سياسات عامة.

5- مدى مشاركة المواطنين في العملية السياسية بصورة واعية وفاعلة، من خلال إدراكهم لحقوقهم وواجباتهم وأدوارهم في صنع القرار والسياسات العامة.

ويتحقق التمكين السياسي للمرأة بصورة عملية من خلال تعزيز فرصها في التعليم والمشاركة السياسية، ولا سيما عبر ممارسات التصويت والترشح، والوصول إلى المواقع القيادية، والتعبير الحر عن الرأي، والمشاركة في الشأن العام ، وتؤدي هذه الأدوار إلى تعزيز ثقة المجتمع بكفاءتها، وزيادة إسهامها في صياغة السياسات العامة والتشريعات، بما يسهم في تحسين أداء مؤسسات الدولة ورفع فاعليتها.

دور الأحزاب السياسية في تحقيق تمكين المرأة

الأحزاب السياسية من أهم المؤسسات الداعمة لتمكين المرأة داخل النظم الديمقراطية، نظرًا لدورها المحوري في توسيع قاعدة المشاركة السياسية وإتاحة فرص متكافئة في العمل العام، ويُفترض أن تضطلع الأحزاب بدور فاعل في تمكين المرأة من خلال توفير بيئة تنظيمية داعمة، وفتح المجال أمامها لتولي المناصب القيادية، والمشاركة في صنع القرار على أساس المساواة مع الرجل.

ويسهم الدور الحزبي في ترسيخ تمكين المرأة عبر مسارات عدة، من أبرزها:

1- بناء ثقافة سياسية تشاركية تقوم على احترام مبدأ المواطنة والمساواة، باعتبارها ركيزة أساسية لتعزيز تماسك المجتمع واستقراره.

2- تمكين المرأة من الوصول إلى حقوقها السياسية على قاعدة العدالة وتكافؤ الفرص بين الجنسين، وتحميلها المسؤوليات المرتبطة بدورها السياسي والاجتماعي بوصفها فاعلًا رئيسًا في المجتمع.

3- إعادة هيكلة البُنى التنظيمية الحزبية بما يضمن إدماج المرأة في مواقع القيادة والمبادرة وصنع القرار، وتعزيز حضورها في العملية السياسية بمختلف مستوياتها.

المحور  الثقافي

يتضمن التمكين الثقافي مجموعة من البرامج والأنشطة الثقافية التي تسهم في ترسيخ منظومة القيم الحضارية، وتجاوز الأنماط التقليدية السلبية التي تنتقص من مكانة المرأة ودورها في المجتمع، ويهدف هذا المحور إلى بناء وعي ثقافي جديد يقوم على قيم المساواة والاحترام المتبادل والاعتراف بدور المرأة كشريك رئيس في البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

ويستوجب تحقيق هذا المحور مشاركة فاعلة من مختلف المؤسسات ذات الصلة، وفي مقدمتها وزارة التربية، ووزارة التعليم العالي، ووزارة الثقافة، ووسائل الإعلام، فضلًا عن منظمات المجتمع المدني.

المحور التشريعي

يُعدّ الدستور – بوصفه التعبير الأعلى عن الإرادة العامة للمجتمع  – الإطار المرجعي الذي تستند إليه التشريعات الوطنية الهادفة إلى ترسيخ قيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وتكفل هذه التشريعات حماية حقوق المرأة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما يمكّنها من المشاركة المتكافئة في الحياة العامة، ويعزز أسس التماسك الاجتماعي بين جميع فئات المجتمع دون تمييز على أساس النوع الاجتماعي أو الانتماء الفرعي.

غير أنّ تحقيق هذا الهدف يتطلب ضمان مشاركة المرأة الفاعلة في مختلف ميادين العمل الوطني، وهو ما يستدعي أن تكون المؤسسات التشريعية والقضائية والرقابية قادرة على استيعاب مطالب المرأة والتعبير عن حقوقها بصورة عادلة، كما ينبغي أن تعمل هذه المؤسسات على مراجعة وتطوير القوانين ذات الصلة، بما يحقق العدالة النوعية، ويعطي المرأة الضمانات القانونية اللازمة لممارسة حقوقها وتعزيز مستويات تمكينها على الصعيدين القانوني والمؤسساتي.

 الإستراتيجية الوطنية للمرأة العراقية (2023–2030) ودعم المشاركة السياسية

أطلقت الحكومة العراقية الإستراتيجية الوطنية للمرأة العراقية للفترة 2023–2030 من قبل اللجنة العليا لدعم مشاركة المرأة سياسيًا وبالتنسيق مع الدائرة الوطنية للمرأة العراقية  وتأتي هذه الاستراتيجية بوصفها إطارًا حكوميا رئيسيا لتعزيز قدرات المرأة وتمكينها اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا، و حظيت هذه الإستراتيجية بدعم من قبل  هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الداعمة لحقوق الإنسان، وانبنت على مبادئ المساواة والشمول بما يضمن الانتقال من مستوى الدعوة إلى التمكين و التطبيق الفعلي لسياسات تدعم حضور المرأة في مواقع القيادة وصنع السياسات العامة، وبما ينسجم مع أهداف العدالة والمساواة والتنمية المستدامة.

وتضمنت الإستراتيجية مجموعة من المحاور الرئيسة التي تستهدف تعزيز مشاركة المرأة في الحياة العامة وصنع القرار، وتمكينها من المشاركة السياسية، والحماية من العنف، والارتقاء بواقعها الاقتصادي والاجتماعي، فضلا عن  تطوير الأطر التشريعية والمؤسسية الداعمة لمشاركتها السياسية، وتوسيع حضورها في المناصب القيادية والهيئات المنتخبة.

اذ سعت  الحكومة  الى تشكيل اللجنة العليا لدعم مشاركة المرأة سياسيًا بالتنسيق مع الدائرة الوطنية للمرأة العراقية وعدد من المؤسسات الرسمية، بهدف تنفيذ محاور الإستراتيجية المتعلقة بالمشاركة السياسية، والتهيئة للانتخابات، وتمكين النساء في المؤسسات الحكومية والحزبية والمجتمعية، مع إشراك منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية  في صياغة وتنفيذ البرامج ذات الصلة.

كما تتضمن جهود التنفيذ مجموعة من الإجراءات العملية، من بينها:

  • تنظيم ورش عمل وبرامج تدريبية لبناء قدرات النساء في القيادة وإدارة الحملات الانتخابية، وتطوير مهاراتهن القانونية والإعلامية؛
  • تنفيذ حملات توعية مجتمعية لتعزيز تقبّل المجتمع لدور المرأة السياسي وتشجيع مشاركتها؛
  • تفعيل آليات التنسيق المؤسسي بين الوزارات المعنية، والدائرة الوطنية للمرأة، والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، واللجنة العليا لدعم المشاركة السياسية، وبالتعاون مع منظمات دولية وبرامج دعم إنمائية.

الخاتمة

وفقا  لما  سبق عرضه من محاور تمكين المرأة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والتشريعية، يمكن ملاحظة أن جهود التمكين لم تعد حبيسة الإطار المفاهيمي والنقاشات النظرية فحسب، بل انتقلت إلى مستوى السياسات العامة والبرامج المؤسسية التي تتبناها الحكومة العراقية ، ويأتي في هذا السياق إطلاق الإستراتيجية الوطنية لدعم المشاركة السياسية للمرأة العراقية  (2023–2030) من قبل اللجنة العليا لدعم مشاركة المرأة سياسيًا وبالتنسيق مع الدائرة الوطنية للمرأة العراقية بوصفها تجسيدا تطبيقيا للأبعاد التي تناولتها الورقة، ولا سيما تلك المرتبطة بتعزيز المشاركة السياسية وبناء قدرات المرأة وتمكينها من الوصول إلى مواقع صنع القرار.

وتسعى هذه الإستراتيجية إلى تطوير الإطارين المؤسسي والتشريعي الداعمين لتمثيل المرأة في الحياة السياسية، من خلال برامج التوعية المجتمعية، وبناء القدرات القيادية، والتدريب والتأهيل للمرشحات، وتوسيع الشراكات مع المنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني، بما يضمن الانتقال  الى التمكين و التطبيق الفعلي لسياساتٍ تدعم حضور المرأة في مواقع القيادة وصنع السياسات العامة، وبما ينسجم مع أهداف العدالة والمساواة والتنمية المستدامة.