سبل مكافحة التطرف والتطرف العنيف
سبل مكافحة التطرف والتطرف العنيف
أ.د مرتضى شنشول ساهي / جامعة ميسان كلية العلوم السياسية
بات التطرف العنيف بالانتشار كالسرطان ويضرب أنحاء عديدة من العالم ويمثل خطرًا جسيمًا على المجتمع الدولي لما له من تبعات خطيرة تهدد السلم المجتمعي ومعالجة مشاكل الحضارة والثقافة، ويتسع المجتمع الدولي بخطورة التطرف المقترن بالإرهاب والذي ألقى على الساحة العراقية بعد عام 2003 والذي بدأ التأثير على الدولة والكليات السياسية وأمن مستقبل الشعب لذلك تم العمل على مكافحة كل أشكال التطرف عسكريًا من خلال قيادة الولايات المتحدة مدعومة بتبني أطراف التحالف والمجتمع الدولي بدعم العراق في حربه ضد الإرهاب.
إن التطرف العنف الذكر يختلف من بلد إلى آخر بحكم طابعه وسياساته فهو يهدف إلى زرع الخوف السائد في أي مجتمع أو حكومة على القيام بعمل أو الإصلاح عنه أو لأحداث خلل اجتماعي، فالتطرف العنف يقوم على نشر ثقافة الرعب باستخدام الأدوات التكنولوجية والعلمية وجميع وسائل الإعلام الحكومية والمرئية للترويج لأهدافهم التي قد تم تنفيذها بالأساليب المسلحة من قتل وتشريد أو تخريب أو إبادة جماعية، لذلك عملت الدول كافة التي شهدت هذا الظاهرة على القضاء على كافة أشكال الإرهاب والتطرف على أن مكافحتها أمر ضروري وعليها التزامًا يتضمن منع ممارستها أو الجرائم التي تستند.
هذا التطرف المسلح الذي ابتلي به الجسد العراقي على وجه الخصوص بعد عام 2003 سواء كان مصدره خارجيًا أم داخليًا وجد بسبب مجموعة من العوامل أبرزها:
المحاصصة السياسية ذات الطائفية والإثنية التي أسستها الولايات المتحدة بعد احتلال العراق، وكأنها حلول إقليمية معالجة لتحولات من انتقال الدولة إلى تأليف شرعي للاقتصادي مما صاحب عملية الاحتلال الأمريكي وتحولها محركًا للتنمية السياسية من الداخل التي تنتج عن شرعية جديدة وتحول لهذه الاستراتيجيات للكسب السياسي، حتى وصل الأمر إلى أن يتحول مشروع المصالحة الوطنية إلى مشروع لإدارة التصالح القسري بين الفئات السياسية.
من هذا المنطلق عملت النخب الحاكمة على توظيف السياسي للطائفة والدين عبر شعارات وطقوس وممارسات تغذيها وتدعمها ماديًا ومعنويًا لكسب المعركة من الآخر مما أدى إلى إلباس الانقسام الاجتماعي شكلاً سياسيًا عبر حركات وتنظيمات وكيانات مختلفة.
2- الحرب الطائفية في العراق عام 2006 أوصلت التطرف العنيف إلى مراحل متقدمة للغاية من حيث الأداء الإجرامي الإرهابي، كما كان للاحتلال الأمريكي زيادة في الجهود المبذولة من قبل الحكومة للحد من حدة الطائفية في الصراعات السياسية بعد عام 2011 أدت إلى تصاعد الأزمات بسرعة مما أدى إلى سلسلة من الاحتجاجات والاعتراضات الأمنية التي كانت أحد أسباب عودة الإرهاب، فضلاً عن وجود بيئة ملائمة لتمركز عناصر الإرهابية المتطرفة بعد عام 2014 تحت مسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) مدعومة بقوة من بعض العشائر السنية التي ادعت أنها المحاصصة الطائفية إلى هجومهم على الموصل في 10 حزيران عام 2014 فيما بعد وعودة خطر الإرهاب مجددًا.
3- التدخلات العسكرية للولايات المتحدة في العراق وغيرها من الدول كان له الأثر الكبير في بروز ظاهرة التطرف كونها نجحت في إحراز مستوى متقدم من الفوضى حد فقد مثل فرضية التدخل الخارجي ممكن أن يأتي بالنظام الديمقراطي الذي يريده الشعب.
إن هذا التدخل ودعم الجماعات المتطرفة لم يخلُ في كثير من الأحيان من دعم إقليمي لهذه الجماعات مقرون بما قدمته المملكة العربية السعودية من أموال وأسلحة وتجمعات بشرية أعلنت عنها بصراحة في كل من مناسبة.
4- التوجهات الاستراتيجية الدولية الجديدة أدت إلى تقديم الحلول العسكرية السريعة والاهتمام مقابل إهمال الجوانب المدنية (الثقافية والاقتصادية وغيرها) مع الحرص المفرط على الاعتماد على الخطاب المتشدد والأساليب العسكرية في إدارة أمور الدولة أو خارج إطار الدولة على كافة المستويات في ظل نزاعات وتبريرات متعددة.
هذا العنف المسلح المرتبط بإشكالات داخلية وخارجية لم ينتهِ إلى يومنا هذا، بل يمكن القول إن حدة هذا العنف قد قلت أو تراجعت في ضوء العديد من السياسات والإجراءات الحكومية والاجتماعية المتبعة تحت أطر أو شعارات إعادة الأمن والاستقرار إلى المدن المنكوبة وشعارات المصالحة المجتمعية عبر تقديم العديد من الالتزامات والتنازلات المرتبطة بقضايا سياسية أو شخصية.
من هنا يمكن القول أن هناك مجموعة من السياسات أو السبل لمكافحة التطرف المرتبط بحمل السلاح يمكن تناولها بالآتي:
1- اعتماد آليات واضحة باتجاه إرساء المصالحة الوطنية لتطبيع الأوضاع السياسية واعتماد الحوار الوطني الشامل وبناء وتعزيز ثقافة البناء المؤسسي والإدارة المؤسسية (وليس الشخصية) لأجهزة الدولة.
إن إصلاح المؤسسة السياسية هو الأساس لإصلاح باقي مؤسسات الدولة العراقية، فكلما كانت البنية السياسية الحاكمة قائمة على ركائز وأهداف وطنية من دون دوافع سياسية آنية، كلما كانت الجهات التنفيذية أكثر جاهزية في تطبيق الخطط المرسومة على أرض الواقع.
2- العمل على إيقاف التطرف الديني والمجتمعي المؤدي إلى أعمال إرهابية مسلحة ومحاربة التدخلات الداخلية والخارجية ابتداءً واعتماد الحلول التاريخية وهو مسار طويل حتماً بمحاربة النصوص الجامدة للحلال والحرام، وإعادة إحياء الجماعات المتطرفة عن أي شيء اسمه تخريب البلاد وإيذاء البشر ومحاربة النظرة السوداوية التي تبرر أعمال الإرهاب من قتل وتدمير وتهديد ورعب، ناهيك عن الجهود الدولية المتعددة لمحاربة هذا الإرهاب، إن أقصر السبل لا بد أن تكون محلية وقد شهدت الفتنة وصعود رجال الدين المتشددين والتي أرغمهم على ذلك المرجعية الدينية في النجف الأشرف المتمثلة بالسيد علي السيستاني وتشخيص العلماء العراقيين لحقيقة الإرهاب والضغط على الدول الأخرى التي تحتضنهم من أجل كبح جماح التحريض.
3- أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية على قدر عالٍ من المسؤولية وجادة في محاربة التنظيمات المتطرفة والقضاء عليها بالتعاون مع حكومة بغداد من خلال وضع آليات عمل مشتركة حقيقية وتسليح القوات العسكرية العراقية بالأسلحة والمعدات المتطورة تكنولوجيا وتبادل المعلومات والدعم على أكثر من صعيد، خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك أحدث النظم العسكرية المتطورة والأسلحة والأموال لاستخدامها في نشر الفوضى والحفاظ على مصالحها وإبقاء العراق ضعيفًا وحاجة دائمة إلى احتضانها.
4- على أن تأخذ النخب المثقفة دورها في حفظ التوازن داخل المجتمع عن طريق إدماج وتجديد الفكر الذي يكون (التغيير الإيجابي) محوره الأساس وهي بذلك تقوم بعملية التغيير والتطور داخل المجتمع، حيث يستند نجاح أو فشل النخبة السياسية في أداء وظيفتها أو دورها التنموي على مجموعة من العوامل أهمها درجة النضج السياسي لهذه النخبة وإمكانياتها وإدراكها لدورها في تحقيق التنمية دون الانجرار بعملية التغيير نحو التطرف وحمل السلاح مثل ما حصل في أحداث تشرين لعام 2019 والتي انطلقت ابتداءً في مسارها الصحيح احتجاجًا على تردي الأوضاع الاقتصادية وانتشار سلوكيات مجتمعية كلها سراعًا على الاهتمامات الحزبية والفئوية الداخلية والخارجية فضلاً عن فشل حكومات متعاقبة كانت قد حققت أمنًا نسبيًا بشكل صحيح في تغيير صورة الدولة وذلك من خلال إصلاحات أمنية بعيدة عن الصورة المثالية والمظاهر اللا أخلاقية التي شوهت صورة هذه التظاهرات.
5- تعزيز روح الشعور بالمواطنة والامتثال للقوانين. في إحدى المناسبات تحدث الملك فيصل الأول قائلًا: (أقول وأملي ملء اعتقادي أنه في العراق شعب، لو جرى إعدادًا صحيحًا لكان من أكبر شعوب العالم شأنًا وأرقاهم مزايا، غير أن ينقصهم شيء واحد، وهو الحكومة التي يجب أن تكون من ذلك الشعب لهذه وتعلمه وما هي أعظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التشكيل وهذا التكوين؟؟).
فعلى صعيد المواطنة أصبح الإيمان بها من عدمه أحد أهم عوامل استقرار أو عدم استقرار المجتمع العراقي، فمقدار الشعور بالمواطنة والهوية الوطنية الجامعة لذلك دلالات على وحدة نسيج المجتمع ومن ثم استقراره وتمثل في المحصلة النهائية لاستقراره أمنه وابتعاده عن التطرف واللجوء إلى استخدام السلاح.
كذلك لا بد من التأكيد على دستورية أحكام القوانين ذات الصلة بالإرهاب والتزام الدولة ضمن المجتمع بالحفاظ على أمن المجتمع وذلك من خلال تعزيز التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب.
6- إن التطرف والتطرف العنيف ممكن مواجهته بنفس أسلوب هجومه. آخر ممكن مواجهة التطرف الإلكتروني المؤدي إلى التطرف العنيف بطرق دفاعية ومقاومة إلكترونية كذلك إعلاميًا من خلال ما يأتي:
أ- حجب المواقع الإلكترونية المشبوهة التي تسعى إلى نشر الإرهاب والأفكار المتطرفة وتلك المواقع التي تدعو وتلهم الإرهاب والعدوان والاعتداء على الآخرين.
ب- تفعيل الدور الرقابي الذي يباشر به جرائم الإرهاب الإلكتروني والإعلامي من خلال تطوير آليات المؤسسات المعنية بمكافحة الإرهاب وأجهزة الإعلام.
ج- تفعيل الدور الإعلامي في كشف أساليب شبكات التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت والسيطرة القانونية سواء على مستوى الدولة أو المجتمع العالمي بصورة عامة.
ﺧﻼﺻﺔ اﻟﻘول ﻻ ﯾﻣﻛن ﻣواﺟﮭﺔ اﻟﺗطرف اﻟﻌﻧﯾف اﻻ ﺑﺎﻟﻔﻛر اﻟﻣﻌﺗدل واﻟﺣوار اﻟﺑﻧﺎء ﻣن ﺧﻼل دور اﻟﻣؤﺳﺳﺎت اﻟدﯾﻧﯾﺔ واﻻﻋﻼم واﻟﺗﻌﻠﯾم ﻟﺗﻘدﯾم رؤﯾﺔ ﻣﺗوازﻧﺔ وﺗﺻﺣﯾﺢ اﻟﻣﻔﺎھﯾم اﻟﺧﺎطﺋﺔ اﺑﺗداءا ، وﻣن ﺛم اﻟﺷروع ﻓﻲ ﻋﻣﻠﯾﺔ ﺗطﺑﯾق اﻟﻘواﻧﯾن ﺑﺣزم ﺿد اﻻﻧﺷطﺔ اﻻرھﺎﺑﯾﺔ وﺗﺟرﯾم ﺗﻘدﯾم اﻟدﻋم ﻟﻠﻣﺗطرﻓﯾن ﻣﻊ ﻋدم اﻟﻣﺳﺎس ﺑﺣرﯾﺔ اﻟﻔﻛر اﻟﻣﺷروع.
المصادر:
1- مجلة قضايا سياسية العدد 37-38 جامعة النهرين كلية العلوم السياسية.
2- رجب محمود حسين، الدولة الإسلامية في العراق، مكتبة النور العلمية، بغداد 2012.
3- عادل فلك الدراجي، فراس محمد الياس، العراق المتأزم، دار الاكاديميون للنشر، عمان، 2017.
4- Sinan adnan and aron reese , beyond the Islamic stat, institute for the study of war, report 24, (October 2014), pp10-13
5- عبد الله علي، مظاهرات العراق، نشرت بتاريخ 30/10/2019، منشور على الرابط:
http://www.arab48.com
6- حيدر عمار ياس، أزمة الهوية العراقية في ظل الاحتلال، المجلة العراقية للعلوم السياسية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، عدد 14، 2007.