العراق وسياسة التوازن والحذر في زمن التحوّلات والاضطراب الإقليمي
يشهد الإقليم المحيط بالعراق حالة متصاعدة من الاضطراب وعدم الاستقرار، نتيجة الصراعات السياسية والعسكرية وتداخل المصالح الإقليمية والدولية. وبين ضغوط التنافس الإقليمي والدولي وتشابك الملفات الأمنية والسياسية، تسعى الدولة العراقية إلى تبني سياسة تقوم على التوازن والحذر، بوصفها مقاربة تهدف إلى تحييد البلاد عن تداعيات الصراعات المحيطة والحفاظ على استقرارها الداخلي وسيادتها الوطنية. فإلى أي مدى نجح العراق في توظيف سياسة التوازن والحذر لإدارة موقعه في قلب الاضطراب الإقليمي؟ وما القيود والتحديات التي تواجه هذه السياسة في ظل التحولات المتسارعة في الإقليم؟
في ظل بيئة إقليمية واستراتيجية تتسم بالتقلب وعدم اليقين، يبرز العراق بوصفه دولة تسعى إلى تحييد نفسها عن موجات الاضطراب التي تطال محيطه المباشر، ولا سيما في سوريا ولبنان وإيران وإسرائيل. وإدراكًا منه لحساسية التوازنات الإقليمية ومخاطر الانخراط الإسرائيلي المتزايد، يعمل العراق على انتهاج سياسة توازن حذر تحافظ على مسافة آمنة بين طهران وواشنطن. وبعد أعوام طويلة من العزلة الدولية، يطمح العراق إلى استثمار التحسن النسبي في الاستقرار الأمني خلال الاعوام الماضية، بما أتاح هامشًا أوسع لإعادة الانخراط الإقليمي والدولي. وفي هذا الإطار، تراهن النخب الحاكمة على الواقع السياسي القائم لتوفير فرص للنمو الاقتصادي تستجيب لتطلعات شريحة الشباب، مع تجنب الانخراط في إصلاحات سياسية عميقة تطالب بها “تظاهرات تشرين”.[1] وفي مواجهة التحولات السياسية الكبرى في كل من سوريا ولبنان، تأمل الحكومة العراقية في احتواء تداعيات مرحلة ما بعد التغيير في دمشق، بينما تتابع بحذر وارتباك مسار إعادة التموضع الذي تنتهجه الحكومة السورية الجديدة وما يرافقه من انعكاسات معاكسة على الإقليم.
إعادة بناء جسور التقارب مع دول الجوار
على المستوى الإقليمي، تتجه الحكومة العراقية نحو تبنّي نهجٍ نشط يقوم على تطبيع العلاقات مع دول الجوار، مستثمرةً حالة الاستقرار النسبي التي أعقبت الانتخابات، وساعيةً إلى توظيفها في فتح آفاق تنموية جديدة لاسبما بعد الاستحقاقات الانتخابية الاخيرة. وفي هذا الإطار،فقد شكّل تنظيم قمة جامعة الدول العربية في بغداد في 17 أيارمن العام 2025م، محاولة لإعادة إحياء الدور العربي للعراق وتعزيز حضوره الإقليمي، على نحو يذكّر بمساعي حكومة السيد (نوري المالكي) في العام 2012م، ومستفيدًا من الزخم التنموي الإقليمي الذي تقوده المملكة العربية السعودية بقيادة الأمير (محمد بن سلمان). غير أنّ التقدّم الأكثر وضوحًا تحقق على صعيد العلاقات مع تركيا، بما يحمله ذلك من فرص تنموية واقعية للعراق، على الرغم مما اتّسمت به العلاقات بين بغداد وأنقرة تاريخيًا من تعقيد. فمنذ العام 2003م، فقد شكّل العراق ساحة مركزية لتحرّكات السياسة التركية وطموحاتها الإقليمية[2]، إلا أنّ التحوّلات في السياق الإقليمي، ولا سيما تطورات الملف السوري، دفعت أنقرة إلى تبنّي مقاربة أكثر حذرًا ودقة في تعاملها مع بغداد.
فمنذ حزيران من العام 2023م، بدأت تركيا تبعث رسائل أكثر وضوحًا تعكس رغبتها في فتح صفحة جديدة مع بغداد، والسعي إلى بناء إطار مؤسسي منظم للتعاون الثنائي. وقد تُوِّج هذا التوجّه بزيارة الرئيس التركي (رجب طيب أردوغان) إلى العراق في 22 نيسان من العام 2024م، والتي شكّلت مؤشرًا عمليًا على هذا التحوّل. ويعكس هذا المسار إدراك أنقرة لأهمية استقرار العراق وأمنه كعامل حاسم في استقرار المنطقة عمومًا، ولا سيما في ظل مساعي الحكومة العراقية لتحييد تداعيات الهجوم العسكري الإسرائيلي المضاد، والتطورات المتسارعة في الساحة السورية[3].
من المنظور التركي، تمثّل هذه المقاربة محاولة لتعزيز العلاقات مع دولة مجاورة ذات ثقل جيوسياسي كبير، خاصة في ضوء ما يمتلكه العراق من موارد نفطية تُعدّ ذات أهمية استراتيجية لتركيا. وعلى هذا الأساس، لطالما ارتبط اهتمام أنقرة باستقرار بغداد بتوافقه مع مصالحها الوطنية. وقد أكّد الرئيس (أردوغان)، خلال زيارته الرسمية لبغداد في نيسان من العام 2024م، أن ترسيخ العلاقات وتطبيعها يُعدّ ضرورة ملحّة في ظل حالة الاضطراب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط[4].
في المقابل، تسعى الحكومة العراقية إلى توظيف هذا التحول التركي لصالحها، رغم استمرار الخلافات بين الطرفين بشأن العمليات العسكرية التركية في شمال العراق ضد عناصر حزب العمال الكردستاني، ولا سيما في مناطق جبال قنديل، وإن ظلت هذه الخلافات ضمن حدود قابلة للاحتواء. وفي هذا السياق، وبالنظر إلى التحديات الأمنية التي تواجهها بغداد في بسط سيادتها الكاملة، فضلًا عن تعقّد علاقتها مع إقليم كردستان، كانت أنقرة تنتظر من العراق خطوة رسمية تتمثّل في تصنيف حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية، واتخاذ إجراءات عملية للقضاء على وجوده داخل الأراضي العراقية[5].
واستجابةً لذلك، وفي إطار إبداء حسن النية تجاه أنقرة، أقدمت الحكومة العراقية في آذار من العام 2024م، على تصنيف حزب العمال الكردستاني “منظمة محظورة”، وهي خطوة لقيت ترحيبًا تركيًا واضحًا. وقد أعقب هذا التطور توقيع سلسلة من الاتفاقيات الأمنية بين البلدين لمكافحة الإرهاب، شملت إنشاء مراكز تنسيق وتعاون مشتركة في كل من بغداد وبعشيقة.
وبموجب هذه التفاهمات، واصلت تركيا عملياتها العسكرية ضد عناصر الحزب في شمال العراق، مع تعزيز آليات التنسيق مع بغداد استنادًا إلى مذكرة التفاهم الخاصة بالتعاون العسكري والأمني ومكافحة الإرهاب. ويأتي الاتفاق الذي وقّعه وزير الدفاع التركي السيد(يشار غولر) ونظيره العراقي السيد (ثابت العباسي)، خلال الاجتماع الرابع لآلية التعاون الأمني رفيعة المستوى في أنقرة في آب من العام 2024م، ليؤطر هذا النوع من التدخل والتنسيق المشترك[6].
وفي هذا السياق، شكّل إعلان حزب العمال الكردستاني في 12 أيار من العام 2025م، حلّ تنظيمه وإنهاء نشاطه المسلح تطورًا نوعيًا عزّز المسار العام نحو تهدئة الأوضاع الأمنية وتحسين العلاقات الثنائية بين العراق وتركيا[7]، وهو مسار مرشّح للامتداد إلى مجالات التعاون الاقتصادي والتنمية المشتركة.
وفي إطار مساعي العراق لتسريع مسار التنمية الاقتصادية وتعزيز استقراره، تبرز تركيا بوصفها شريكًا محوريًا. وقد شكّلت زيارة رئيس الوزراء السيد( محمد شياع السوداني) إلى أنقرة في 8 أيار من العام 2025م، محطة مهمة في مسار العلاقات العراقية–التركية، إذ أكّد الجانبان خلالها أهمية توسيع التعاون الأمني والاقتصادي. وأسفرت الزيارة عن توقيع حزمة من الاتفاقيات في قطاعات متعددة لتعزيز التبادل التجاري، في ظل كون العراق أحد أبرز الشركاء الاقتصاديين لتركيا، حيث بلغ حجم التبادل بين البلدين نحو(20) مليار دولار. وإلى جانب العمل على إزالة العوائق أمام التجارة الثنائية، جدد الطرفان دعمهما لمشروع ( طريق التنمية 25) الاستراتيجي[8]، مع التأكيد على تسريع وتيرة تنفيذه. وتعكس المقاربة التركية قناعة راسخة بضرورة تحسين العلاقات الثنائية واستثمار فرص التعاون الاقتصادي كمدخل لتجاوز الاضطرابات الإقليمية وتحقيق مكاسب متبادلة.
في المقابل، شكّل وصول شخصية ذات ماضٍ “جهادي” إلى السلطة في دمشق في 8 كانون الأول من العام 2024م، تطورًا مفاجئًا أربك الحسابات العراقية[9]. فقد سبق لهذا الرجل “الجولاني” أن شارك في مقاومة التدخل الأمريكي في العام 2003م، وقضى مدة في السجون العراقية، قبل أن يرتبط بتنظيم داعش. وأدى هذا التحول السياسي في سوريا إلى اندلاع ما وُصف بـ((الثورة السنية))، الأمر الذي أثار قلقًا عميقًا لدى النخبة السياسية في العراق، على الرغم من تبنّي بغداد سريعًا خطابًا تصالحيًا تجاه السلطات السورية الجديدة[10].
ويعود العداء بين بغداد ودمشق إلى جذور تاريخية، لكنه تجدد بصورة حادة بعد العام 2003م، على خلفية مواقف النظام السوري السابق، ولا سيما سياسات الرئيس (بشار الأسد) تجاه البعثيين العراقيين الفارين، والجماعات الجهادية، وتنظيم داعش. وقد أدى السقوط السريع لنظام البعث السوري في كانون الأول من العام 2024م، إلى حالة من الهلع في العراق[11]، تمحورت بالأساس حول التداعيات الأمنية المحتملة على الداخل العراقي.
وسارعت السلطات العراقية، بما في ذلك المرجعيات الدينية، إلى الحيلولة دون تكرار سيناريو تعبئة الفصائل للدفاع عن المقدسات في دمشق، ولا سيما مرقد (السيدة زينب)، كما حدث عقب سقوط الموصل، داعيةً إلى ضبط النفس. وبعد تلقي تطمينات من القيادة الجديدة في دمشق بشأن حماية الأماكن المقدسة ومحاربة تنظيم داعش، شرعت بغداد في نهج تقاربي حذر مع النظام السوري الجديد، مع إبقاء مسافة تحفظ بسبب ماضي قيادته “الجهادي”، وطبيعة تحوّلاته الأولية نحو أنموذج الدولة المركزية، بما يتعارض مع الأنموذج اللامركزي المعتمد في العراق[12].
وعلى الرغم من ذلك، غلب الطابع البراغماتي على هذا التقارب، إذ أُعطيت الأولوية لتأمين الحدود المشتركة، ولا سيّما معبر(البوكمال)، ومعالجة ملف المقاتلين الأجانب المحتجزين. وأُجريت بالفعل اتصالات رفيعة المستوى لتعزيز التنسيق الأمني، غير أن استمرار انعدام الثقة سرعان ما قيّد هذه الجهود.
وقد تجلّى ذلك بوضوح خلال قمة جامعة الدول العربية التي عُقدت في بغداد في أيار من العام 2025م، حين وجهت الحكومة العراقية، بصفتها الدولة المضيّفة، دعوة إلى السلطات السورية الجديدة. غير أن قوى سياسية وفصائل مسلحة (شيعية) عبّرت عن رفضها القاطع لاستقبال شخصيات تُحمَّل مسؤولية صعود (تنظيم داعش) وما خلّفه من عنف ودمار في العراق، ما دفع الحكومة في نهاية المطاف إلى سحب الدعوة تحت ضغط الخلاف الداخلي. وبذلك، اتخذت بغداد موقفًا مغايرًا لعدد من الدول العربية الأخرى، ولا سيما السعودية، التي يقود ولي عهدها (محمد بن سلمان) مسارًا نشطًا لإعادة دمج دمشق في المحيط العربي، تمهيدًا لتطبيع أوسع مع واشنطن[13].
وأدى هذا التطور إلى تقويض جهود طويلة بذلتها بغداد لاستعادة مصداقيتها في العالم العربي، ولتعزيز عملية (إعادة تأهيل) العراق في نظر دول الخليج، التي ما تزال تنظر إليه من زاوية أنموذج حكمه وهويته، وصلاته الوثيقة بطهران. وعلى الرغم من أن هذا الخلاف لم ينسف بالكامل سياسة التقارب مع دمشق، فإنه سلّط الضوء على إشكالية أعمق تتعلق بحدود اندماج العراق في محيطه العربي[14].
وإلى جانب ملف المفقودين الكويتيين وممتلكاتهم منذ حرب الخليج، أعاد اعتراض العراق على ترسيم الممرات المائية في شط العرب وقناة (خور عبد الله) إشعال التوتر مع الكويت[15]. وفي هذا السياق، تعكس تحفظات بغداد تجاه سوريا واستمرار احتكاكها مع الكويت حجم الصعوبات التي تواجه عملية إعادة اندماج العراق إقليميًا. كما كشفت قمة بغداد الرابعة والثلاثون عن ضعف التمثيل الخليجي، رغم الزخم الذي فرضه النقاش حول حرب غزة وحضور قادة من قطر ومصر[16].
وما تزال تداعيات غزو الكويت في العام 1990م، تثقل صورة العراق في الوعي الخليجي، مقرونةً بتصورات عن هشاشته السياسية وطابع نظامه الثوري. وفي الوقت الذي تعيد فيه الإدارة الأمريكية الجديدة صياغة استراتيجيتها في الشرق الأوسط على ضوء التدخل الإسرائيلي، يسعى العراق إلى تبني موقف متوازن إزاء إيران، مستفيدًا من قدر من حسن النية الأمريكية. غير أن بغداد ما زالت تواجه تحديًا جوهريًا يتمثل في محو صورة استثنائها عن محيطها السني، لا سيما بعد التحولات التي شهدتها دمشق، والتي أعادت إلى السطح جراح الحرب الأهلية والانقسامات الإقليمية.
سياسة التوازن والحذر بين الضرورة والقيود
في بيئةٍ إقليمية واستراتيجية تتسم بالاضطراب وعدم اليقين، يسعى العراق إلى تحصين نفسه من ارتدادات الأزمات التي تعصف بجواره المباشر، ولاسيما في سوريا ولبنان وإيران، عبر انتهاج سياسة النأي بالنفس وبناء توازن محسوب يضعه على مسافة آمنة بين طهران وواشنطن. ومن خلال هذا التموضع الوسطي، تعمل الحكومة العراقية على نسج شبكة من التحالفات والشراكات الإقليمية والدولية، أملاً في استعادة مكانةٍ تليق بتاريخ الدولة العراقية بعد سنواتٍ طويلة من التهميش والانكفاء.
لقد نجح العراق جزئياً في توظيف سياسة التوازن والحذر لإدارة موقعه في قلب الاضطراب الإقليمي، مستفيداً من موقعه الجيوسياسي وحساسية التوازنات المحيطة به، ولا سيما عبر السعي إلى تجنب الانخراط المباشر في محاور الصراع، واعتماد خطاب سياسي يؤكد على الحياد الإيجابي، وفتح قنوات تواصل متوازنة مع أطراف متعارضة مثل: الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب تعزيز حضوره الدبلوماسي الإقليمي والعربي. وقد أسهم هذا النهج في تقليص هامش التصعيد داخل أراضيه، والحفاظ على قدر من الاستقرار النسبي مقارنة ببيئته الإقليمية المضطربة[17].
إلا أن هذه السياسة تواجه قيوداً وتحديات بنيوية ومعقدة، أبرزها هشاشة التوازن الداخلي وتعدد مراكز القرار، وتأثير الفاعلين من غير الدول، فضلاً عن الاعتماد الاقتصادي والأمني على أطراف خارجية، ما يحدّ من استقلالية القرار الوطني. كما أن تصاعد الاستقطاب الإقليمي، واتساع رقعة الصراع في المنطقة، والانخراط الإسرائيلي المتزايد، يفرض ضغوطاً متنامية على هامش المناورة العراقية، ويجعل سياسة التوازن عرضة للاهتزاز في حال حدوث تحولات مفاجئة أو تصعيد واسع النطاق[18].
وعليه، يمكن القول إن سياسة التوازن والحذر تمثل خياراً واقعياً وضرورياً للعراق في المرحلة الراهنة، لكنها تبقى رهينة بقدرته على تعزيز تماسكه الداخلي، وترسيخ سيادة الدولة، وتنويع شراكاته الإقليمية والدولية، بما يسمح بتحويل هذا التوازن من سياسة دفاعية مؤقتة إلى استراتيجية مستدامة قادرة على الصمود أمام التحولات الإقليمية المتسارعة[19].
وفي هذا السياق، يواصل قادة العراق، بصرف النظر عن مآلات التحالفات التي ستفرزها المرحلة القادمة، السعي إلى ترسيخ الحضور، مستندين إلى خطابٍ يعد بالاستقرار والتنمية الاقتصادية بوصفهما مدخلاً لاحتواء تطلعات الشباب، مع تجنب الانخراط في إصلاحات سياسية عميقة طالما طالبت بها “تظاهرات تشرين”. ويبدو أن الرهان على الإبقاء على الوضع القائم بعد الانتخابات قد يجد قبولاً لدى قطاعاتٍ واسعة من المجتمع العراقي الذي أنهكته دوامة الأزمات والعنف السياسي، وبات يميل إلى أولوية الاستقرار والتنمية على حساب التغيير الجذري.
وفي ضوء التحولات المتسارعة في سوريا ولبنان، يحرص النظام العراقي على تقديم نفسه أنموذجاً قابلاً للاحتذاء بصيغته الفيدرالية، على الرغم مما يعتريها من اختلالات وتوترات مزمنة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان. ومن خلال هذا التصور، يأمل العراق في امتصاص صدمة التحولات الجارية في دمشق، فيما يراقب، بقدرٍ من القلق والحيرة، النزعة المتنامية لدى الحكومة السورية الجديدة نحو إعادة المركزية، بما يعكس تعقيدات الواقع الإقليمي وحدود قابلية استنساخ النماذج السياسية.
وفي خضمّ التحولات إلاقليمية المتسارعة والتحديات الداخلية المتراكمة، يقف العراق عند مفترق طرق حاسم بين إرثٍ ثقيل من الأزمات وطموحاتٍ متجددة نحو الاستقرار وإعادة البناء. فبين التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، تبرز آمال حقيقية بإعادة تأهيل الدولة واستعادة دورها الإقليمي، في مسارٍ طويل يتطلب إرادة وطنية ورؤية استراتيجية قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص، اذ ان الإرادة السياسية والدعم المجتمعي هما اللذان يشكّلان الركيزتين ألاساسيتين لتحويل هذا المسار إلى واقع ملموس يفتح آفاقًا جديدة لمستقبل العراق.
التوصيات:
ومما تقدم يمكن لنا تقديم العديد من التوصيات لعل اهمها يتمثل فيما يلي:
- تعزيز الاستقرار الداخلي عن طريق دعم الإصلاح السياسي، والحوكمة الرشيدة لضمان شرعية الدولة وثقة المواطنين، وكذلك مكافحة الفساد وإرساء الشفافية في المؤسسات الحكومية لتقوية الدولة ومكانتها الإقليمية، فضلا عن تعزيز الوحدة الوطنية وتقليل الانقسامات الطائفية والإقليمية.
- سياسة التوازن الخارجي وذلك للحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الإقليمية الكبرى (إيران وتركيا والسعودية) دون الانحياز الكامل لأي طرف من ناحية، ومن ناحية اخرى تعزيز التعاون مع القوى الدولية الكبرى (الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي،الصين) على أسس مصلحة العراق الوطنية، عن طريق تنويع الشراكات الاقتصادية والاستثمارية لتقليل الاعتماد على طرف واحد.
- تعزيز القدرات الاقتصادية والتنموية
من خلال التركيز على مشاريع البنية التحتية، والطاقة والتنمية المستدامة لضمان استقلالية اقتصادية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية لتطوير الاقتصاد المحلي.
- تعزيز الأمن والدفاع من خلال تعزيز قدرات الجيش والأجهزة الأمنية لمواجهة التهديدات الداخلية والخارجية دون الانخراط في صراعات إقليمية، مع تطوير آليات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة بالتعاون مع شركاء دوليين، يكون فيها التعاون الأمني الإقليمي على أساس مصلحة العراق وعدم الانحياز لأي طرف في النزاعات.
[1] – Isabelle Lafargue, IRAK, UN LONG CHEMIN VERS LA RÉHABILITATION, Note de recherche no 149 – Novembre 2025,p:2.
[2] – Voir Julien Cécillon, « L’Irak, nouvel espace de déploiement de la puissance turque », dans Dorothée Schmid
(dir.), La Turquie au Moyen-Orient : Le retour d’une puissance régionale ?, CNRS édition, 2019.
[3] – أوضح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي قام بالعديد من الزيارات إلى العراق، خلال زيارته لبغداد في 26 يناير 2025، رغبته في حوار بناء وعلاقات حسن جوار بين بغداد والإدارة السورية الجديدة، مؤكداً أن مثل هذا النهج سيفيد كلا البلدين والمنطقة ككل.
[4] – Voir Didier Billion, « Turquie : la sempiternelle question kurde », IRIS, 2 décembre 2024.
[5] – وهكذا، في أعقاب هجوم قتل فيه إرهابيو حزب العمال الكردستاني اثنين من حرس الحدود العراقيين في يناير 2025، أكد (هاكان فيدان) مجدداً على ضرورة تنسيق تركيا والعراق وسوريا لجهودها للقضاء على كل من داعش والجماعات الإرهابية التابعة لحزب العمال الكردستاني.
[6] – يحتفظ الجيش التركي بعشرات المواقع في إقليم كردستان العراق ذي الحكم الذاتي، حيث يشن عمليات برية وجوية ضد حزب العمال الكردستاني منذ سنوات، والذي أُجبر على التراجع إلى هناك.
وأضاف المتحدث باسم وزارة الدفاع أن أنقرة، التي تُعلن بانتظام عن مقتل جنود في الإقليم، ستواصل عمليات التفتيش وتدمير الملاجئ والكهوف والأسلحة التي يستخدمها أو ينتمي إليها الحزب الكردي المسلح.
[7] – في مؤتمر عُقد في الفترة من 5 إلى 7 مايو 2025 في جبال قنديل شمال العراق، أعلن حزب العمال الكردستاني أنه قد أنجز مهمته التاريخية المتمثلة في وضع القضية الكردية على مرحلة يمكن حلها فيها ديمقراطياً.
[8] – وُقِّعت مذكرة تفاهم للتعاون المشترك في بغداد بتاريخ 23 أبريل/نيسان 2024 بين تركيا والعراق وقطر والإمارات العربية المتحدة، ويجري حالياً إنشاء ميناء في الفاو بالعراق. انظر: رانج علاء الدين، “مشروع طريق التنمية في العراق: طريق نحو الازدهار أم عدم الاستقرار؟” موجز، مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، 2024.
[9] – Voir Benjamin Barthe, « L’ascension d’Abou Mohammed al-Joulani, de jihadiste en Irak à nouvel homme fort de la Syrie », Le Monde, 9 décembre 2024.
[10]– Ibid.
[11] – Entretiens, Bagdad, avril 2025.
[12] – Voir Benjamin Barthe, op-cit.
[13] – oir Fatiha Dazi-Héni, « L’Arabie saoudite, nouveau pôle d’influence aux États-Unis », Orient XXI, 3 juin
2025.
[14] – Voir note 3.
[15] – Voir Bader al Saif, « Thing Big: Why Broadening Negociations Could Help Resolve the Kuwait-Iraqi Maritime
Dispute », Malcolm H. Kerr Carnegie Middle East Center, mars 2021, cité dans Azhar al Rubai, « Will Maritime
Dispute with Kuwait Sink Iraki PM’s Political Fortunes? », AMWAJ media, 29 mai 2025.
[16] – يحث البيان الختامي للقمة الرابعة والثلاثين لجامعة الدول العربية في بغداد في 17 مايو 2025 الدول والمؤسسات المالية الدولية والإقليمية على تقديم الدعم المالي اللازم بسرعة للخطة العربية المقدمة لإعادة إعمار غزة، ويدعو إلى مزيد من الضغط الدولي لوقف إراقة الدماء في قطاع غزة الفلسطيني.
[17] – ينظر: حيدر، إبراهيم. السياسة الخارجية العراقية بعد 2003: إشكاليات التوازن والاستقلالية. بغداد: مركز الدراسات الاستراتيجية، 2021، وكذلك الى:عبد الأمير، سعدون. «العراق وسياسة الحياد الإيجابي في بيئة إقليمية مضطربة». مجلة شؤون الأوسط، العدد 18، 2022.
[18] – ينظر الى: مركز الجزيرة للدراسات. العراق بين إيران والولايات المتحدة: معضلة التوازن الاستراتيجي. الدوحة، 2022، وكذلك الى: الكعبي، قاسم. تعدد الفاعلين من غير الدول وأثرهم على القرار السياسي العراقي. بغداد: دار الحكمة، 2020.
[19] – Haddad, Fanar. Understanding Iraq’s Foreign Policy Behavior. Middle East Institute, 2020.& Mansour, Renad. Iraq’s Fragile State and Regional Pressures. Chatham House, 2021.