مستقبل المسار السياسي وتحديات الحكومة العراقية
دخل العراق بعد انتخابات تشرين الثاني(نوفمبر) 2025 مرحلة سياسية يمكن وصفها بأنها امتدادٌ مُعاد التشكيل لما قبلها، لا قطيعة معه ولا تجديد جذري له. فالنظام السياسي لم يُنتج لحظة تحوّل تاريخية، لكنه أعاد ترتيب توازناته الداخلية بطريقة أكثر تعقيدًا، خصوصًا داخل الاطار التنسيقي في البيت السياسي الشيعي الذي ظلّ الممسك الفعلي بمفاصل القرار التنفيذي، وإنْ بدا أكثر انقسامًا وأقل قدرة على إنتاج قيادة جامعة. هذه الانتخابات لم تُعبّر عن اندفاع شعبي واسع، بل عن مزاج عام يميل إلى تفادي المجهول، ويُفضّل الاستمرار المُراقَب على المغامرة غير المضمونة، في ظل ضعف البدائل العابرة للطوائف وغياب مشروع سياسي وطني واضح المعالم، وفي ضوء ما تقدم يمكن قراءة مستقبل المسار السياسي والتحديات التي تواجه السلطة التنفيذية من خلال المحاور الاتية:
المسار السياسي في ضوء استمرار الانسحاب الصدري من العملية السياسية
بعد الانتخابات البرلمانية في عام 2025، لم يعد الانسحاب الصدري من المشهد السياسي حدثًا طارئًا أو تكتيكًا مرحليًا، بل تحوّل إلى عامل بنيوي مؤثّر في إعادة تشكيل المسار السياسي العراقي، هذا الغياب، بما يحمله التيار الصدري من ثقل شعبي وتاريخ احتجاجي وقدرة على كسر التوازنات، ترك فراغًا لم يُملأ فعليًا، رغم محاولات قوى الإطار التنسيقي إعادة ضبط المشهد وإدارته بأدوات السلطة التقليدية. فالمعادلة السياسية باتت أكثر هدوءًا في ظاهرها، لكنها أكثر هشاشة في عمقها، لأن الاستقرار المتحقق لم يكن نتاج توافق وطني، بل نتيجة غياب الفاعل الأكثر قدرة على المفاجأة.
وبذلك فان استمرار الانسحاب الصدري منح القوى الشيعية الأخرى، ولا سيما الإطار التنسيقي، فرصة نادرة لإدارة الدولة دون شريك شيعي منافس يمتلك شرعية الشارع خصوصا بعد تراجع حركات وقوى التيار المدني غير أن هذه الفرصة تحوّلت سريعًا إلى عبء على المشهد السياسي في العراق، إذ فقد النظام السياسي أحد عناصر التوازن الداخلي. فالتيار الصدري كان يمثّل عنصر ضغط دائم على السلطة، سواء من داخل البرلمان أو خارجه، وغيابه ألغى هذا الضغط.
فالمسار السياسي بعد 2025 اتسم بقدرة أعلى على تشكيل الحكومات وتمرير التفاهمات، لكنه افتقر إلى الحيوية السياسية. فالعملية السياسية باتت تُدار من اشخاص محددين دون امتداد شعبي حقيقي، وهو ما جعل الشرعية السياسية تعتمد على التوافق بين القوى المتنفذة لا على التفويض المجتمعي. هنا تحديدًا يظهر أثر الانسحاب الصدري؛ إذ لم تبرز قوة أخرى قادرة على تمثيل الشارع الشيعي أو استيعاب طاقته الاحتجاجية ضمن الإطار المؤسسي، ما جعل هذا الشارع في حالة كمون، لا في حالة رضا.
على مستوى البرلمان، ساهم غياب الكتلة الصدرية في إضعاف فكرة المعارضة المنظمة فالمجلس تحوّل إلى فضاء توافقات وانعكاس للسلطة التنفيذية، حيث تتوزع الأدوار بين قوى متقاربة في الرؤية والمصالح، ما قلّص من فرص الرقابة الجدية والمساءلة الفاعلة فضلا عن تعطيل تشريع القوانين او تشريع بعض منها بطريقة التوافق السياسي او السلطة المكوناتية والسياسية الواحدة كما أضعف الممارسة الديمقراطية، وجعل البرلمان أقل مسؤولية تجاه المزاج الشعبي، وأكثر ارتباطًا بتفاهمات ما وراء الكواليس أما على صعيد السلطة التنفيذية، فقد استفادت الكتل السياسية خصوصا الشيعية من غياب الصدريين في تقليل منسوب الصدام السياسي، لكنها واجهت تحديًا مختلفًا يتمثل في غياب الغطاء الشعبي عند اتخاذ القرارات الصعبة. فالحكومة التي لا تواجه معارضة قوية، لكنها أيضًا لا تحظى بتأييد جماهيري واسع، تكون أكثر عرضة للاهتزاز عند أول أزمة اقتصادية أو خدمية أو أمنية. بهذا المعنى، لم يكن الانسحاب الصدري عامل استقرار دائم، بل استقرارًا مؤجلًا. وفي العلاقة بين المكونات، أسهم الغياب الصدري في إعادة ضبط التوازن داخل البيت الشيعي لصالح الإطار، ما انعكس على شكل العلاقة مع السنة والكرد. فالشراكات باتت أكثر وضوحًا وأقل توترًا، لكنّها أيضًا أكثر براغماتية وأقل ارتباطًا بمشروع وطني جامع.
وعليه فإن المسار السياسي في العراق بعد 2025، في ظل استمرار الانسحاب الصدري، يتجه نحو استقرار سياسي وحزبي هش، قائم على إدارة التوازنات لا معالجتها، وعلى تقليل الصدام لا بناء التوافق المجتمعي. التيار الصدري، وهو خارج السلطة، ما زال حاضرًا كقوة غياب لا كقوة مشاركة، وقراره بالعودة أو الاستمرار في الانسحاب سيبقى عاملًا حاسمًا في مستقبل النظام السياسي. فالمعادلة العراقية أثبتت أن غياب الفاعلين الكبار لا يُنهي الأزمات، بل يؤجل انفجارها، وأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بمشاركة الجميع ضمن قواعد دولة عادلة ومؤسسات فاعلة.
المسار السياسي في ضوء الصراع الاطار على منصب رئيس الوزراء
يمكن قراءة المسار السياسي في العراق في ضوء الصراع داخل الإطار التنسيقي على منصب رئيس الوزراء الذي تفاقم بعد الإعلان عن نتائج انتخابات تشرين الثاني(نوفمبر)2025 بوصفه تعبيرًا مكثفًا عن أزمة القيادة، وعن خلل في آلية إنتاج القرار بالإضافة الى كونه خلافًا على الأشخاص. فالتقدّم النسبي الذي حققته الكتل المرتبطة بمحمد شياع السوداني، إلى جانب صعود العصائب وتماسك بقية قوى الإطار، لم يكن نتاج موجة ثقة شعبية واسعة، بقدر ما كان انعكاسًا لتصويت براغماتي اختار “الأقل اضطرابًا” في مرحلة يسودها القلق السياسي. الناخب العراقي، المنهك من التجارب السابقة، لم يصوّت لحلم الدولة، بل لنسخة الدولة الممكنة، القادرة على إدارة الحد الأدنى من الاستقرار دون وعود كبرى غير أن هذا التقدّم حمل في داخله تناقضًا بنيويًا سرعان ما انفجر داخل الإطار نفسه. فالسوداني، الذي جاء أساسًا بوصفه مرشح تسوية لا مرشح مشروع، استطاع خلال ولايته أن يحقق قدرًا من النجاح الإداري النسبي، سواء في ملف الاستقرار الأمني أو ضبط الإيقاع الاقتصادي أو إدارة العلاقات الخارجية. هذا النجاح، بدل أن يتحول إلى رصيد سياسي داعم له داخل الإطار، انقلب إلى مصدر قلق فالقوى التي دعمته لم تكن تتوقع أن يتحول من مدير مرحلة إلى صاحب موقع، ومن منفّذ للتوازنات إلى شخصية قد تمتلك قابلية الاستقلال التدريجي عن منظومة الضبط الجماعي.
هنا تحديدًا يتجسد جوهر الصراع فالإطار التنسيقي، بوصفه تحالف قوى لا حزبًا او ائتلافاً موحدًا، يقوم على مبدأ تقاسم النفوذ لا إنتاج القيادة. أي رئيس وزراء ينجح أكثر من اللازم يتحول تلقائيًا إلى مشكلة، لأنه يهدد بإعادة تعريف العلاقة بين المنصب والكتل، وبين الدولة والتنظيمات لذلك لم يكن استبعاد السوداني المحتمل من الولاية الثانية نابعًا من فشله أو إخفاقه، بل من نجاحه المحدود وتمدده السياسي والإداري والمالي، الذي أثبت أنه قادر على بناء شبكة علاقات داخل مؤسسات الدولة وخارجها دون المرور الكامل عبر قنوات الإطار.
في المقابل، لم يكن لدى الإطار بديل جاهز يحظى بالإجماع ففرضية العودة إلى المالكي لولاية ثالثة ظلت مستبعدة بفعل الرفض الداخلي السياسي والمرجعي والحساسية الإقليمية في المقابل، فيما ظل رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي خارج دائرة المنافسة الجدية بفعل ضعف كتلته وتآكل حضوره السياسي. هذه المعادلة أفرزت أزمة قيادة داخل الإطار التنسيقي، حيث لم يعد السؤال: من هو الأقوى؟ بل من هو الأقل كلفة؟ وهي أزمة تُشير إلى خلل بنيوي في إنتاج الزعامة السياسية داخل النظام، وتحويل منصب رئيس الوزراء إلى ساحة إدارة صراع لا تجسيد مشروع.
، بينما لم ينجح أي اسم آخر في الجمع بين القبول الشعبي النسبي والقدرة على إدارة التوازنات الداخلية. هذا الفراغ جعل الصراع يدور في حلقة مغلقة رفض التجديد للسوداني دون القدرة على إنتاج بديل مقنع، وهو ما أدخل العملية السياسية في حالة انتظار محسوب، تُدار فيها الدولة دون حسم استراتيجي انعكس هذا الصراع على طبيعة المسار السياسي برمته. فالاستقرار الظاهري الذي أعقب الانتخابات كان في جوهره استقرارًا نخبويًا، قائمًا على تعليق الخلافات لا حلّها. الحكومة تعمل، البرلمان يشرّع، لكن القرار الكبير مؤجَّل. هذا التأجيل لا يعكس حكمة سياسية بقدر ما يعكس خوفًا من كسر التوازنات الهشة داخل الإطار، لأن أي حسم قد يؤدي إلى انقسام داخلي يصعب احتواؤه.
بهذا المعنى، فإن الصراع على منصب رئيس الوزراء بعد 2025 لم يكن مجرد تنافس على السلطة التنفيذية، بل صراع على شكل النظام نفسه: هل يبقى رئيس الوزراء موظف توازنات، أم يتحول إلى رأس سلطة تنفيذية حقيقية؟ هل يُسمح بالنجاح داخل النظام، أم يُعاقب عليه؟ هذه الأسئلة بقيت بلا إجابة واضحة، ما جعل المسار السياسي العراقي يتحرك إلى الأمام بخطوات محسوبة، لكنه يفتقر إلى الجرأة على القفز نحو إصلاح أعمق. وبذلك يمكن القول إن الإطار التنسيقي نجح في الحفاظ على وحدته الشكلية، لكنه فشل حتى الآن في حل معضلته الأساسية بإنتاج قيادة قوية دون أن تهدد بنيته الداخلية وما لم تُحسم هذه الإشكالية، سيبقى منصب رئيس الوزراء بؤرة صراع مؤجل، وسيبقى المسار السياسي يدور في فلك الاستقرار المؤقت، لا البناء المستدام للدولة.
المسار السياسي في ظل شكل التفاهمات السياسية المكوناتية
تحاول الكتل السياسية التفاهم حول التركيبة السياسية للرئاسات الثلاث جاء ذلك انعكاسًا لهذا التوازن الهش فاختيار هيبت الحلبوسي لرئاسة مجلس النواب مثّلت إعادة تثبيت للقيادات السنية القادرة على التفاوض وضبط إيقاع المكون، في ظل غياب قوى سنية بديلة ذات خطاب وطني جامع. أما اختيار عدنان فيحان نائبًا لرئيس البرلمان، فقد كرّس حضور قوى الإطار، وبالأخص العصائب، داخل المؤسسة التشريعية، في خطوة تحمل دلالة واضحة على انتقال الثقل من الشارع والسلاح إلى البرلمان دون القطيعة مع أيٍّ منهما هكذا أصبح البرلمان مساحة تقاطع بين السياسة والأمن، لا ساحة رقابة مستقلة.
وبالتالي فان العلاقة بين المكونات الثلاثة بقيت محكومة بمنطق الشراكة الضرورية لا الاندماج الوطني. الشيعة يمسكون بالقرار لكنهم منقسمون عليه، السنة شركاء في الإدارة أكثر منهم صُنّاع قرار، والكرد محافظون على دورهم التفاوضي التقليدي مع تصاعد أزماتهم الداخلية الاقتصادية والسياسية. أما الأقليات، فاستمر حضورها شكليًا، تُستدعى لتكميل الصورة لا لصناعة السياسات، ما يُبقي مفهوم المواطنة منقوصًا ومعلّقًا.
ومما تقدم فان استمرار المسار السياسي بعد 2025 بدا ممكنًا من حيث الشكل، لكنه مأزوم من حيث المضمون. فالنظام قادر على إنتاج حكومات، لكنه عاجز عن إنتاج معارضة حقيقية. مجلس النواب، في ظل غياب معارضة منظمة، تحوّل إلى مؤسسة تمرير وتوافقات أكثر منه أداة رقابة وتشريع فاعل. هذا الغياب أضعف التوازن الديمقراطي، وجعل المساءلة خاضعة للتفاهمات السياسية لا للمساءلة المؤسسية.
شكل المسار السياسي في ظل التحديات التي ستواجه الحكومة العراقية
سيبقى شكل المسار السياسي للمرحلة القادمة مرتهن بقدرة الحكومة العراقية والقوى السياسية المشكلة لها بمعالجة عدد من الملفات الداخلية والخارجية ومن ابرز تلك الملفات الاتية:
في ملف الفساد المالي والإداري، حيث استمر التعاطي الانتقائي فالفساد لم يعد انحرافًا فرديًا، بل جزءًا من بنية النظام الريعي، مرتبطًا بالأحزاب وشبكات النفوذ، ومحميًا بتوازنات سياسية وقانونية معقّدة. أي محاولة جادة لمعالجته تصطدم مباشرة بسقف النظام نفسه، ما يجعل الإصلاح الحقيقي مؤجلًا أو مجتزأً أما ملف سلاح الفصائل والعشائر، فقد بقي المؤشر الأوضح على حدود سلطة الدولة. فالدولة لم تُقرر الحسم، والفصائل لم تُقرر الانسحاب بشكل نهائي، وبينهما سياسة احتواء مؤقتة تُجنّب الانفجار لكنها تُراكم الضعف هذا الملف لا يُدار كقضية سيادة، بل كقضية توازنات.
وعليه فان الحكومة العراقية القادمة ستجد نفسها أمام تحديات داخلية ثقيلة، من بطالة وفقر وأزمة خدمات وسكن وتشريعات مؤجلة، في وقت قد تتوفر فيه موارد مالية أفضل، لكن دون قدرة إدارية وتنفيذية متناسبة. النجاح هنا لن يكون في إطلاق الوعود، بل في القدرة على تقليل الفجوة بين الدولة والمجتمع.
إقليميًا، سيواصل العراق سياسة التوازن الحذر، خصوصًا في علاقته مع الولايات المتحدة، محاولًا تفادي التحول إلى ساحة صراع مباشر، مستفيدًا من موقعه الجغرافي وثقله السياسي. غير أن هشاشة الداخل تجعل أي تصعيد إقليمي عامل تهديد مباشر للاستقرار، وقد يتجه العراق بعد 2025 إلى مسار يمكن وصفه بالاستمرار المأزوم دولة تُدار بالأزمات لا تُبنى بالحسم؛ وسياسة تؤجّل الأسئلة الكبرى بدل الإجابة عنها والتحدي الحقيقي هنا لن يكون في تشكيل الحكومة القادمة، بل في قدرة النظام على إعادة تعريف معنى الدولة، ودور المعارضة، وحدود السلطة، وإلا فإن الاستقرار سيبقى مؤقتًا، والإصلاح مؤجلًا، والقلق مفتوحًا على كل الاحتمالات.