اصلاح النظام الداخلي لمجلس النواب (نحو صياغة آليات للمعارضة البرلمانية)
ارتكز دستور عام 2005 على فكرة الديمقراطية عند التعريف بجمهورية العراق في المادة الاولى منه، واكد على أن ممارسة السلطة لا تتم الا من خلال المؤسسات الدستورية المنبثقة عن الدستور، وان تداولها مرتبط بالوسائل الديمقراطية المكرسة فيه، كردة فعل لويلات الدكتاتورية والاستبداد، من هنا كان لزاماً لاستكمال هذا الشكل ان يكون هناك تنظيم واضح للحق في وجود معارضة سياسية برلمانية ، فاذا كان الحق في حرية التعبير والاعتراف بالاختلاف مصدراً لا يمكن التشكيك في امكانية الاستناد اليه في اقرار وجود دستوري لفكرة المعارضة، الا ان الاعتراف الدستوري اضحى ضرورة للخروج من فكرة وجود كل القوى السياسية في السلطة، ذلك لما توفره وجود معارضة قانونية من قوة في اداء الحكومات، وتفعيل لعمل السلطة التشريعية، وعدم الذهاب بها مذاهب عبثية، فالاعتراف الدستوري بالاختلاف والتنافس من خلال بنود قانونية واضحة المعالم تعطي للمعارضة داخل البرلمان، حقوقاً لا يمكن الانتقاص منها وواجبات يمكن التعويل عليها في تنشيط العمل التشريعي والرقابي لأعضائه بما ينعكس ايجابياً على اداء السلطة التنفيذية وصولاً الى تحقيق ديناميكية للعمل داخل المؤسسات الدستورية، من هنا كان لزاماً القول، بوجوب التفكير بإيراد نصوص واضحة تعترف بالحق في المعارضة البرلمانية وفقاً لأطر قانونية واضحة.
اولاً: مدى اهمية الاعتراف بفكرة المعارضة البرلمانية.
ترجع نشأة فكرة المعارضة بشكل عام الى الفترة التي ظهرت فيها السلطة في المجتمعات القديمة، اذ يوجد لكل نظام – مهما كان متوافقاً مع تطلعات ورغبات المجتمع – مخالفين له في الطريقة او الغايات التي يسعى فيها لإدارة المجتمع، ويشكل الاعتراف بوجود هذا الانقسام والتعدد في الآراء حالة صحية في مواجهة نقيضها من الفوضى والنزاع في حال انكارها، ولعبت المعارضة السياسية دوراً كبيراً في ترصين وتطوير طبيعة الحكم في الانظمة الليبرالية، كون وجودها وبطريقة معترف بها ساهم في ادارة عملية الحكم بعيداً عن العنف .
يشكل الاعتراف بالحق في المعارضة ضمانة اساسية وأطار قانوني لوجودها الشرعي، بما ينعكس ايجابياً على حرية النظام السياسي اذ لا حرية سياسية بدونها، كما ان الفهم الجيد للديمقراطية لا يقصرها على حكم الاغلبية وانما ينبغي العمل على توفير ضمانات أساسية للأقلية، من خلال ايجاد نوع من التوازن داخل المجلس النيابي، حيث تظهر اهمية الاعتراف بوجود معارضة برلمانية من عدة جوانب وهي: –
- ضمان سلمية العمل السياسي. إذ تمتاز المعارضة البرلمانية بكونها فعل سياسي ذا طابع سلمي، فعملها داخل المؤسسة التشريعية يجعلها بعيدة كل البعد عن العنف كوسيلة للوصول الى السلطة، وانما يقوم عملها على اقتناص الأخطاء والثغرات في عمل حكومة الأغلبية بما يعزز موقعها في التنافس للوصول الى السلطة، فالمعارضة بعملها هذا تكاد ان تكون وسيطاً من خلال ما تملك من ادوات تمكنها من تمثيل المصالح المتقاطعة مع الأغلبية.
- العلنية في مخالفة الأغلبية. حيث تمارس الاحزاب التي لم تحصل على الاغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة داخل المجالس النيابية، دورها في المنتظم السياسي بصورة علنية من حيث شخوصها، وآليات عملها، وتكوينها، بما يساهم في التخلص من مضار العمل السياسي السري الذي دائما ما يظهر في الانظمة غير الديمقراطية.
- ضمان لممارسة الحقوق والحريات العامة. اذ يشكل وجود احزاب سياسية معارضة تراقب عمل الحكومة ويمكن من خلالها الدفاع عن حقوق الانسان وحرياته، والحيلولة دون استبداد الحكومة في التشريع بما ينتقص من حقوق الافراد.
- ضمان فكرة التعددية من خلال طرح امكانية التناوب، فعمل المعارضة لا يقتصر على الانتقاد وعدم الرضا عن التصرفات الحكومية، لزيادة قوتها في الانتخابات، وانما عليها ان تفكر بسياستها وطرح البديل كونها مطالبة بتنفيذ وعودها عند دعوتها لتشكيل الحكومة.
ثانياً: وظائف المعارضة البرلمانية.
وجود المعارضة في الحياة السياسية يشكل مكوناً اساسياً لا يمكن المضي بنظام ديمقراطي دون وجودها، فبالإضافة الى المشاركة في وظيفة التشريع والرقابة، يظهر الدور الابرز للأحزاب التي لا تشارك في الحكومة، من خلال وظائف تمارسها تتمثل في :-
- الاستقرار السياسي. اذ يعمل وجود المعارضة البرلمانية على جعل التنافس والصراع السياسي داخل المؤسسة التشريعية، بما يحول دون نقله الى المجتمع وبالتالي نشوء نزاع مجتمعي او قد تستغله اتجاهات او آراء لا تؤمن بالتداول وفقاً للأطر الديمقراطية، بما يهدد التداول السلمي واستقرار البلد .
- تقديم البديل. تعمل المعارضة البرلمانية على طرح نفسها وبرامجها كبديل للحكومة القائمة، من خلال تقديمها بدائل واقتراحات وسياسات تسعى من خلالها الى الحصول على دعم وتصويت الناخبين بما تقدمه من وجهات نظر بديلة عما تفشل الحكومات في تقديمه، حيث تعمل على الحد ومراقبة السلطة وتشكيل سلطة مضادة بما يمكنها من تحقيق التناوب سياسياً .
- ضمانة سياسية للحريات العامة. حيث ان الدور الذي تلعبه الاحزاب في رفع الوعي السياسي لدى الافراد من خلال ما تمارسه من رقابة وتعبير عن الرأي المخالف للأغلبية الحاكمة، يؤدي الى تكوين رأي عام يمثل رغبات الافراد وما يدور في اذهانهم من خلال ما تتبناه هذه الاحزاب وتطرحه باستخدام وسائل الاعلام المختلفة .
- تقويم عمل الحكومة. وجودها يعمل على مواجهة الاخفاقات الحكومية وتقويمها، من خلال الوسائل الرقابية التي يمارسها اعضاء مجلس النواب، اذ ينتج عن تنافس من اجل الوصول الى السلطة، اثر ايجابي مهم هو التنافس لخدمة الصالح العام .
ثالثاً: الحقوق التي يمكن منحها للمعارضة البرلمانية .
اعترف دستور جمهورية العراق لسنة 2005 بالتعددية السياسية في مادة (39/أولاً) اذ نصت على ” حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية، أو الانضمام إليها، مكفولة، وينظم ذلك بقانون”. بما عزز توجه المشرع الدستوري في اعتماد الديمقراطية كمنهج لإدارة الدولة في المادة (1) التي حددت طبيعة وتعريف النظام السياسي بالنص ان ” جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي. وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق” . ثم بينت ان عملية تداول السلطة لا تتم الا من خلال الوسائل لسلمية المنصوص عليها في الدستور في المادة (6)، من خلال مشاركة الاحزاب التي تتوافق مع الفكرة الديموقراطية، وحظر في المقابل الاحزاب والتيارات التي تتبنى العنف كوسيلة للوصول الى السلطة، وفي مقدمتها حزب البعث المنحل، بموجب احكام المادة (7/ أولاً) حيث نص على ان ” يحظر كل كيانٍ او نهجٍ يتبنّى العنصرية او الارهاب او التكفير او التطهير الطائفي، او يحرض او يمهد او يمجد او يروج او يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، وتحت اي مسمىً كان، ولا يجوز ان يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون” .
ان كان الدستور لم يتضمن أي نص صريح الى فكرة المعارضة البرلمانية، فانه في المقابل تضمن عدد من الحقوق التي يمارسها اعضاء مجلس النواب بصفتهم الشخصية او من خلال اللجان البرلمانية، دون تمييز بين كونهم ينتمون الى الحزب او الاحزاب التي تشكل الحكومة او التي تكون خارج السلطة التنفيذية منها ما يتعلق بـ (المبادرة التشريعية) اذ يملك عشرة نواب او احدى اللجان البرلمانية الحق في تقديم مقترحات القوانين او تعديلاتها ، على ان لا تتضمن تبعات مالية او مساس بعمل السلطة التنفيذية دون موافقتها او مساس باستقلال القضاء. اما ما يتعلق بـ (المجال الرقابي) فلعضو مجلس النواب دور محوري في الرقابة على اداء السلطة التنفيذية، وسياساتها وخططها، وقراراتها وبرامجها، ويمارس هذا الدور من خلال عدة ادوات منحه اياها الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب وهي (السؤال وطرح موضوع عام للمناقشة والاستجواب وعضوية اللجان التحقيق النيابية) في المقابل نجد هناك حاجة الى وضع اطار متكامل يضمن تفعيل عمل المعارضة للحيلولة دون سلب ادوات العمل البرلماني من نواب المعارضة بحجة عدم امتلاكهم الاغلبية العددية في المجلس من خلال عدة اليات يمكن اقرارها في النظام الداخلي وهي:-
- تفعيل المشاركة في الدعوة لانعقاد المجلس. حيث نص الدستور على امكانية الدعوة لعقد جلسة مجلس النواب من عدة جهات ومنها اعضاء مجلس النواب، وبواقع طلب مقدم من (50) نائب لعقد جلسة استثنائية، ولتعزيز موقع المعارضة البرلمانية هناك حاجة الى اعطاء الكتلة النيابية المعارضة الحق في الدعوة الى انعقاد المجلس اسوة بباقي الجهات المنصوص عليها دستورياً، مع الحاجة الى ايراد نصوص تحدد الحد الادنى لإمكانية تشكيل كتلة نيابية بان لا تقل عن عشرة اعضاء .
- المشاركة في تحديد جدول اعمال المجلس. فرئاسة مجلس النواب هي الجهة الوحيدة التي تختص بموجب النظام الداخلي في تحديد المواضيع التي تدرج في جدول الأعمال، بما يعني استبعاد مشاركة المعارضة في تحديد الاعمال التي تعرض على المجلس، وبما قد يؤدي الى عدم عرض المواضيع التي تسعى المعارضة لطرحها، وهنا نحتاج الى تنصيص الحالة بموجب النظام الداخلي بطريقة تضمن امكانية عقد جلسة واحدة في الشهر كحد ادنى تتضمن جدول اعمال معد من قبل الكتل البرلمانية المعارضة، وهو ما يعرف بأيام المعارضة لضمان عرض وجهات نظرها بعيداً عن تحكم رئاسة المجلس .
- اعتماد مبدأ النسبية في ممارسة الحق في الكلام داخل الجلسات. اذ يرتبط الحق في الكلام بتشكيل المجالس النيابية، باعتبارها اماكن يتم فيها ممارسة الحق في ابداء الرأي والنقاش واتخاذ القرارات، وعليه ينبغي اعتماد الية حسابية لغرض اتاحة الحق في الكلام على اساس نسبة التمثيل داخل المجلس، بما يتيح نوع من انواع التوازن في العمل داخل المؤسسة التشريعية، بطريقة تحول دون تغول اعضاء الاغلبية على حقوق الاقلية في المشاركة بالنقاش والحديث، اثناء انعقاد الجلسات.
- تمثيل المعارضة في الهيكل التنظيمي لمجلس النواب . يمكن تصور التمثيل في جانبين :-
ا. هيأة رئاسة مجلس النواب، اذ يمكن منح المعارضة البرلماني الحق في المشاركة في هيأة الرئاسة، سواء كان منصب النائب الثاني او احد مقرري المجلس، بما يحول دون انفراد الاغلبية في اتخاذ القرارات، وان كان هذا الامر قد يواجه معارضة مرجعها تخوف الاغلبية من تحكم احزاب المعارضة في عمل المجلس .
ب . اللجان البرلمانية، كون أساس عمل عضو مجلس النواب هو نتاج جهد اللجان البرلمانية فما يظهر من نقاشات او اتخاذ قرارات في الجلسات هو نتيجة لما بلورته اللجان النيابية من افكار ومشاريع قوانين، ومما لا ريب فيه ان منح احزاب المعارضة الحق في رئاسة لجان (النزاهة، مراقبة الاداء الحكومي، حقوق الانسان) تعد من اهم المظاهر التي يمكن من خلالها تطوير موقع المعارضة البرلمانية وكذلك تطوير اداءها الرقابي بما سينعكس ايجابياً على تطوير اداء السلطة التنفيذية والعمل الحكومي بشكل عام، كما ينبغي ضمان تمثيل نسبي في باقي لجان المجلس دون تميز على اساس عمل اللجنة او مهامها وعلى اساس نسبة عدد المقاعد .
- التمثيل في الوفود الدبلوماسية البرلمانية. ينبغي ان يكون هناك دور للمعارضة في العمل الدبلوماسي البرلماني من خلال ضمان تمثيل عادل ومنصف للمعارضة في أي وفد او لقاء بروتوكولي يحمل الطابع الدبلوماسي، وبما يؤمن تواجد مختلف الآراء والتيارات في تمثيل السلطة التشريعية وعدم اقتصار التمثيل على اعضاء احزاب الاغلبية .
ختاماً يمكن القول ان الاعتراف بالتعددية السياسية ان كان احد لوازم قيام نظام ديمقراطي، فان تبني فكرة وجود معارضة واغلبية اصبحت ضرورة لتفعيل عمل مجلس النواب، وهذا رهن باعتراف للحق في المعارضة البرلمانية بما يجعل لها موقعاً في النظام السياسي تمارس وظائفها ومهامها وادوارها في ظل مظلة تشريعية، تعزز مكانتها وتفعل دورها في الرقابة والتصويب.
ومن هنا فهناك حاجة الى العمل على تعديل النظام الداخلي لمجلس النواب وقانونه بما يضمن اضافة نصوص تعطي للمعارضة البرلمانية المكانة التي يمكن من خلالها ان تساهم بشكل كبير في استقرار النظام السياسي عن طريق تفعيل مساهمتها في صياغة القوانين وتفعيل دورها في المجلس. والعمل على تحديد نصوص قانونية لتفعيل دور الكتل النيابية داخل مجلس النواب من خلال تحديد نصوص خاصة بالية تشكيلها وتحديد موقعها كجزء من الاغلبية او المعارضة البرلمانية، وصولاً الى دسترة الحق في المعارضة في التعديلات الدستورية المرتقبة .