التعليم الرسمي وغير الرسمي

التعليم الرسمي وغير الرسمي: تكامل الأدوار ضرورة حتمية لمواجهة خطر التطرف العنيف

د. وجدان عظيم عبد الحسن / الجامعة المستنصرية

في ظل تصاعد وتيرة التطرف العنيف والإرهاب الذي يهدد أمن واستقرار المجتمعات، فإن الشباب هم الأكثر عرضة للخطر، كونهم الأهداف الرئيسية لاستراتيجيات التجنيد ويقعون ضحية للعنف المتطرف. وهذه الظاهرة تنبئنا لخطر فقدان جيل من الشباب الذي يعاني من اليأس والإحباط، الأمر الذي يعزز من دور التعليم في تحقيق التنمية المستدامة ومكافحة التطرف والإرهاب. فالحرب على الإرهاب هي حرب فكرية بالدرجة الأولى، وهذا يجعل التعليم ساحة حاسمة لمواجهة الجماعات المتطرفة في خوض هذه الحرب، خاصة وأن الجماعات المتطرفة عملت ولا تزال تعمل على اختراق التعليم والتسلل إليه بطرق مختلفة. هنا يبرز التعليم كأداة حيوية في بناء حصون المناعة الفكرية لدى الأجيال الشابة، إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تجاوز النظرة التقليدية للتعليم، وتبني رؤية شاملة تدمج بين أساليب التعليم الرسمي وغير الرسمي في منظومة متكاملة.

لا شك أن المدارس والجامعات تلعب دورًا محوريًا في غرس قيم التسامح والتعايش السلمي، وتنمية مهارات التفكير النقدي لدى الطلبة، وتعزيز قيم المواطنة، وإعداد جيل واعٍ ومثقف قادر على التمييز بين الحق والباطل، ورفض الأفكار المتطرفة. لكن التعليم لا يقتصر على المؤسسات الأكاديمية، فالأُسرة، والمجتمع المحلي، ووسائل الإعلام، والمساجد والكنائس، ومنظمات المجتمع المدني، كلها مؤسسات تعليمية غير رسمية يمكن أن يكون لها دور فاعل في ترسيخ قيم الحوار، وبناء الشخصية المتوازنة، وتعزيز الثقافة القانونية، ونشر الوعي الديني الوسطي، والمساهمة في الحد من انتشار الأفكار المتطرفة.

إن التكامل بين التعليم الرسمي وغير الرسمي ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة حتمية لمواجهة خطر التطرف العنيف. فالمناهج الدراسية وحدها لا تكفي لتحصين الشباب إذا كانت تتعارض مع ما يتلقونه من رسائل في محيطهم الاجتماعي. وبالمثل، فإن الجهود المجتمعية التوعوية تظل محدودة الأثر إذا لم تكن مدعومة بمنظومة تعليمية رسمية قوية. وبالتالي، فإن بناء منظومة تعليمية متكاملة، تجمع بين التعليم الرسمي وغير الرسمي، يعد أحد أهم السبل لبناء مجتمعات أكثر مرونة وقدرة على مقاومة التطرف والعنف بكل أشكاله من خلال أدوات كلم منهما:

التعليم الرسمي: هو التعليم المنظم والمنهجي الذي يتم تقديمه في مؤسسات تعليمية معترف بها (مثل المدارس والجامعات) وفقاً للمناهج الدراسية المحددة واللوائح الرسمية. أما المناهج فتشمل خطة التعليم الرسمية (وثائق تحدد المحتوى التعليمي والأهداف والناتج المتوقع)، المعلمون والأكاديميون (الكوادر المؤهلة المسؤولة عن تقديم المعرفة وتوجيه الطلبة)، الكتب والمواد التعليمية (مصادر المعلومات الأساسية التي يعتمد عليها الطلبة)، شهادات التعليم (الدرجات والوثائق الرسمية التي تمنح بعد إتمام مراحل التعليم)، الامتحانات والتقييمات (لقياس مدى اكتساب الطلاب للمعرفة والمهارات)، الفصول الدراسية والمختبرات والمكتبات (البنية التحتية المادية التي توفر بيئة التعلم).

أما التعليم غير الرسمي: يمثل أي نوع من التعليم الذي يحدث خارج الإطار الرسمي للمؤسسات التعليمية، يمكن أن يكون مخططاً أو عفوياً، وغالباً ما يكون مرتبطاً بالأنشطة اليومية والتفاعلات الاجتماعية. أما أدواته فتشمل المجتمع (من المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والثقافية والرياضية والدينية)، وسائل الإعلام (التلفزيون، الراديو، الإنترنت)، وسائل ومنصات التواصل الاجتماعي، الأسرة والأصدقاء، الأنشطة الثقافية والفنية (المعارض)، الكتب والمقالات غير الأكاديمية (مصادر المعرفة العامة)، ورش العمل غير الرسمية (تنمية مهارات محددة)، المتاحف والمعارض والمواقع التراثية (توفر فرص التعلم التجريبي والتفاعلي)، التعلم الذاتي (من خلال القراءة والبحث والاستكشاف الفردي)، المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني (تقديم برامج تعليمية وتوعوية متنوعة)، وغيرها من مواقع التعلم غير الرسمي المتعددة.

لذلك، يتطلب بناء حصانة مجتمعية وجود نهج متعدد المستويات يعالج الجوانب المعرفية (بناء التفكير النقدي)، والجوانب الوجدانية (تعزيز الانتماء والقيم)، حيث أن التعليم الرسمي وغير الرسمي يشكلان محوراً أساسياً في عملية التغيير التي تهدف إلى تحويل الأفراد من متلقين سلبيين إلى فاعلين إيجابيين. بناءً على ذلك، فإن تحقيق الأهداف المختلفة يستوجب تكامل أدوار التعليم الرسمي والمؤسسي بوصفه حجر الزاوية في بناء القدرات المعرفية والمجتمعية لمواجهة التطرف، وتتمثل مساهمته في:

  • بناء التفكير النقدي وتفكيك الخطاب المتطرف: تعليم الطلاب كيفية تحليل المعلومات بشكل موضوعي وتقييم الحجج المختلفة وعدم التسليم بالآراء دون فحص. هذا يساعدهم على مقاومة الدعاية المتطرفة التي غالباً ما تعتمد على التبسيط والتضليل.

  • تعزيز المواطنة العالمية: إدراج مفاهيم حقوق الإنسان، قبول التنوع، وسيادة القانون كقيم أساسية غير قابلة للتفاوض، مما يرسخ الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع المحلي والعالمي.

  • التدخل المبكر وتوفير المسار البديل: فالمؤسسات التعليمية ترصد مؤشرات الانزلاق نحو التطرف وتقدم الدعم والتوجيه المناسبين للطلاب، كما تسهم الجامعات والمدارس في توفير فرص تعليمية ومهنية واضحة مما يقلل من الإحباط والتهميش الذي تستغله الجماعات المتطرفة كدافع للانضمام.

  • توفير فهم أعمق للثقافات والأديان المختلفة: تعليم الطلاب عن تنوع المجتمعات الإنسانية واحترام الاختلافات الثقافية والدينية، وهذا من شأنه أن يقلل من مشاعر “الآخر” والخوف الذي تستغله الجماعات المتطرفة.

  • دمج موضوعات مكافحة التطرف العنيف في المناهج الدراسية بشكل مناسب للفئة العمرية لزيادة الوعي بمخاطر التطرف العنيف والوقاية منه. مثال: إدراج منهج (التربية الأخلاقية) للصفوف غير المنتهية في المدارس العراقية.

  • تدريب المعلمين: والذي يسهم في تزويدهم بالمهارات والمعرفة اللازمة للتعامل مع قضايا التطرف وتعزيز قيم التسامح والانفتاح داخل الفصول الدراسية.

أما التعليم غير الرسمي فإنه يمارس تأثيراً قوياً في الجوانب الوجدانية والسلوكية، من خلال أهميته الحاسمة في تعزيز المرونة النفسية والاجتماعية، والتي لا يمكن للمناهج الدراسية وحدها تحقيقها، وإنما من خلال:

  • دور الأسرة والمجتمع في بناء الانتماء: حيث تسهم الأسرة في غرس قيم التسامح والتعاطف، وتوفر حماية وجدانية، ويعد غياب هذه القيم أو وجود الإهمال أو العنف عاملاً رئيسياً في هشاشة الفرد أمام الاستقطاب.

  • تعزيز التماسك الاجتماعي: من خلال الأنشطة المجتمعية التي تجمع أفراداً من خلفيات مختلفة وتعزز الشعور بالانتماء والهوية الإيجابية، مما يعزز الثقة بالنفس ويقلل من الحاجة للبحث عن هوية بديلة في الجماعات المتطرفة.

  • توفير مساحات للحوار المفتوح: مثل المنتديات الثقافية، والأنشطة الشبابية، والفنية والرياضية التي توفر بيئة آمنة للتفاعل وبناء صداقات بين أفراد من خلفيات متنوعة، مما يفكك الصور النمطية ويبني رأس المال الاجتماعي.

  • مواجهة الخطاب المتطرف على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي: والذي يقوم على نشر محتوى سلبي بدل نشر رسائل التسامح والسلام.

إن بناء حصانة مجتمعية حقيقية ضد الأيديولوجيات المتطرفة يتطلب بالضرورة استدامة نهج تعليمي متكامل يعتمد بشكل أساسي على تكامل الأدوار لتكوين بيئة تعليمية متكاملة تمنح الفرد القدرات المعرفية والنفسية والاجتماعية اللازمة لرفض العنف وبناء السلام.