مستقبل المسار السياسي وتحديات الحكومة العراقية
عندما تكون السياسة غير مؤانسنة كما هو حال السياسة في عالمنا المضطرب فمن الصعب ضبط مستقبل المسار السياسي في محيطات محلية واقليمية وعالمية مشبعة بالتحديات لكن ذلك كله لا يجعل العاقل سياسيا عاجزاً ان رسم مستقبل صعب وليس مستحيل .
وبقدر تعلق الأمر بمستقبل المسار السياسي والتحديات امام الحكومة العراقية فأن الحال يتصل بإيجاد اجابات وتفسيرات للعناوين ادناه:
(1)
اين العراق من هذه المسميات
نقلا عن فرانسيس فوكاياما يعرف عالم الاقتصاد والاجتماع السياسي السويدي(غونار ميردال) الدولة الرخوة بانها “الدولة التي تصدر القوانين ولا تطبقها، ليس لما فيها من ثغرات فحسب بل لان لا احد يحترم القانون، اذ ان الكبار لا يبالون به، لامتلاكهم السلطة ما يحميهم منه، و الصغار يتلقون الرشاوي لغض البصر عنه، اما الفقراء الذي لا مال لهم فيتم ضبطهم باساليب جديدة | قديمة من القمع و التهم.
و يتفق المفكر الاقتصادي(جلال امين) مع الامريكي نعوم تشومسكي مع هذا التوصيف عندما يرى بان الدولة الفاشلة بانها الدولة الفاقدة للسيادة على اراضيها كليا او جزئيا، وغير قادرة على تلبية امن مواطنيها و متطلبات عيشهم اليومي كما انها تعيش حالة من التهديد المستمر لامنها الانساني و الغذائي و تفتقر الى مقهوم موحد للمواطنة حقوقا وواجبات الامر الذي يعني انتشارالفساد ليصبح نمط حياة.. و هي في حقيقتها اشباه دول حيث تتميز بانها مدعومة من اطراف خارجية فاعلة بدلا من الاعتماد على مقوماتها و مؤسساتها الخاصة، و هي معرضة للانهيار سواء من خلال الهزيمة على يد قوى خارجية او نتيجة الفوضى الداخلية مما يؤدي الى فراغ السلطة فيها.
وهناك علاقة داخلية و ارتباط طردي كبير بين الدولة الفاشلة والدولة المارقة و الاخيرة تضر بشعبها و بالشعوب الاخرى بينما الفاشلة تضربشعبها دون غيرهم ، و تنشأ حالة الفشل في الدولة من عوامل خارجية عندما تفقد الدولة السيطرة الفعلية الامنية على اراضيها او تفقد القدرة على التعامل كممثل وحيد لشعبها دوليا، او نتعرض لعقوبات اقتصادية او سياسية او عسكرية و كذلك تنشأ عن عوامل داخلية عندما تفقد قدرتها على توفر الحاجات الاساسية لمواطنيها، او عندما تعمل على احياء النزعات الجهوية الضيقة الطائفية و القومية و القبلية، او تؤدي الى نشوء جماعات جديدة على شكل احزاب و حركات و منظمات تقوم بالوظائف التي فشلت الدولة عن القيام بها فتصنع في داخلها دولة تعمل على اسقاط تجربة الدولة.
وبالنتيجة تتميز الدولة الرخوة بمجموعة من السمات ابرزها انها عاجزة عن تحقيق السيطرة على اراضيها كافة، و هي تفكك ولا تبني وتترك مهمة البناء لغيرها بينما يكون استعدادها للفساد عال المنسوب، ولا تملك القدرة على توفير الحاجات الاساسية و الخدمات الضرورية للغالبية العظمى من مواطنيها، وهي غيرفاعلة في الحفاظ على النظام والامن و دون تأثير على المستوى الاقليمي والدولي، و تعيش حالة تفاوت يقسم المجتمع الى فئات متعارضة تتقاتل دون تنافس، و تتحكم فيها نخية فاسدة تعبث في مؤسساتها الدستورية ولا تجيد سوى اهانة المواطن واذعانه لها، مع حرصها على اعادة الحياة من جديد للهويات الفرعية التي تعيق مسار بناء الدولة و تجعل من اراضيها مناطق عبور للمهاجرين غير الشرعيين و النازحين هربا من الفوضى الاقتتالية فضلا عن انتشار تجارة المخدرات و تزوير العملات و تهريب الاثار .
و هكذا في ادبيات السياسة وبعد ان تعودنا سماع مسميات مثل الدول الكبرى والدول الصغرى والدول المتقدمة والدولة المتخلفة ودول العالم الثالث والدول النامية ، انهالت علينا مسميات حداثوية ذات صلة بتوصيف الدول ومنها الدولة الفاشلة والدولة الرخوه والدولة المارقة والدولة العميقة …. الخ فأين نحن العراق من هذه المسميات ؟
سؤال يجيب علية القارىء بعد ان عرضنا مواصفات الدولة التي تحمل بعض او جميع خصائص هذه المسميات !!
(2)
لمم من عيوب السياسة العراقية
لا نريد ان نسطر كبائر عيوب السياسة العراقية وفي مقدمتها المحاصصة الجهوية الضيقة ومشتقاتها التي صنعت العدمية الوطنية وظاهرة الفساد التي تفوقت بجدارة على الارهاب و زراعة اليأس في التطلع الى المستقبل .
نريد ان نستحضر لمم من عيوب ما نراه ونلمسه في مد الكلام عن الديمقراطية وجزر الفعل الديمقراطي حيث يتأبد شقاء البناء لعراق جديد .
ومن بين تلك اللمم تسييد طحالب الجهل .. فعندما يعيش المرء بلادا يراد حكمها من قبل طحالب الجهل يتأمل العقل بضياع الموازين ، وانقلاب القيم واختلاط الحابل بالنابل ، حيث لا يمكن التمييز بين الصادق من الكذاب الاشر . وحيث يصير النفاق مجاملة ، والخداع دهاء ، والتعذيب ذكاء .
في المركز كما في اطراف هذه البلاد يصبح من يجهر بكلمة الحق كالقابض على الجمر ، ويبات المعتز بكرامته معتوها ، والمتمسك بعزته غبيا ، والمتشبث بكبريائه عبيطا . وبعد ان يتحتم على من يريد العيش في ضياع هذه البلاد من ان يبتعد عن ان يكن له في الحياة شأن تتألق الاسماء التي تداهن ، لأنها اسماء لزجة كبطن البرص ، وناعمة كالسحلية ، وملتوية كالثعبان ، ومنحنية كذيل الكلب الاجرب الهزيل في مثل هذه البلاد التي تحكمها طحالب الجهل لا يوجد خط مستقيم ، لأن كل شيء فيها محدب او مقوس . والمصالح فيها لا تقضى الا بالطرق الملتوية.. والامال فيها لا تتحقق الا بسلوك الطرق المعوجة ، والمواطن كي يكون شيئا ذا بال ، وكي ينجح في ما يصبو اليه من امال ليس مطلوبا منه ان يكون عالما في ميدانه او فهامة في تخصصه ولا مطلوبا منه ان يكون مخلصا او متحمسا او ملما بجلائل الامور . في مثل هذه البلاد يريد طحالب الجهل ان يكون المواطن ذيلا من المكر الباسم ، والخبث الغبي ، والدهاء المعسول بالختل والحيل والتلون ليغرق بالنهاية في مستنقع العدمية الوطنية.
(3)
حَذارِ من “ديمقراطية” أعداء الديمقراطية
في عالمنا اليوم ماعاد هناك من له الشجاعة ويجرأ للاعلان جهراً عن معاداة الديمقراطية وآلياتها الانتخابية. صحيح ان الديمقراطية لا تتحقق من دون انتخابات لكن الصحيح ايضاً ان الانتخابات لاتؤدي اوتوماتيكيا الى الديمقراطية.
وقد ترافق العملية الانتخابية اخطاء وعثرات تثلم الثلاثية الذهبية التي تجعل منها انتخابات حرة وعادلة ونزيهة، بيد ان تجاوز الاخطاء وتخطي العثرات لايتم إلا بالمزيد من مواصلة الانتخابات اي دون العزوف عنها او مقاطعتها ترشيحاً وتصويتاً.
تبقى الانتخابات العامل المؤثر والفاعل في تقييم مدى قوة التغيير وحقيقة المطالبين به. وتتعدد اهمية العملية الانتخابية سيما في اضفاء الشرعية على النظام السياسي ، بينما تحرم المقاطعة والعزوف عن الانتخابات البلاد والعباد من اهميتها وضرورتها وبدونها لا إضفاء للطابع الشرعي على النظام السياسي لانها الكفيلة بتقديم الشرعية في ممارسة السلطة من قبل الهيئة التشريعية المنتخبة التي لها الحق في سن التشريعات التي تنظم الحياة العامة وصولاً الى الاستقرار المجتمعي.
كما ان الانتخابات تضمن المشاركة الشعبية الواسعة في صنع القرار السليم. فالمشاركة السياسية الواسعة تمثل المظهر الرئيسي للنظام الديمقراطي في الدولة لانها تقدم فرص كبيرة لجميع افراد المجتمع ممن يشملهم الشرط القانوني للمشاركة السياسية في الترشيح والتصويت وفي تولي المناصب العامة وبالتالي تمكينهم من المشاركة في صنع القرارات السياسية.
وتكرس ممارسة الانتخابات وتواصلها دون عزوف عنها او مقاطعتها لها مبدأ الحرية في عملية الاختيار للمواطن في التعبير عن ارادته لإختيار المرشح المناسب. كما تساعد على تأسيس الحكم الرشيد ومحاربة الفساد وإصلاح النظام بوصفها الآلية المتمدنة للمساءلة والمراقبة على الحكام من قبل المحكومين ومحاسبة المنتخبين للهيئات العامة وذلك بمراقبة ومتابعة اعمالها ورصد اي تقصير يقع ضمن مسؤولياتها ووظائفها.
يضاف الى ذلك ان العملية الانتخابية تنتج ادوات لتقاسم السلطة وإدارة التنوع والتعدد المجتمعي عبر التنافس السلمي وتحقيق فرص التداول لجميع القوى السياسية وفق الشروط القانونية دون تمييز بينهم. كما ان العملية الانتخابية تمثل الوسيلة لضمان حقوق الافراد السياسية.
وفي العراق تكتسب الانتخابات ومواصلتها اهمية مضاعفة نظر لما تمر به البلاد من ازمات وتحديات في نظامها السياسي اسهمت في اضعاف الثقة العامة بمخرجاتها الامر الذي يتطلب تقويم العملية الانتخابية ليس فقط كضرورة اجرائية بل كمدخل اساسي لتعزيز الاستقرار السياسي ، وهذا التقويم يهدف بالاصرار على المشاركة في الانتخابات وعدم العزوف عنها وعدم المقاطعة لها يهدف الى ايجاد نظام انتخابي انسب لإنتاج نخب سياسية فاعلة تعبر عن الإرادة الشعبية وتسهم في بناء دولة المؤسسات مما يعزز استقرار النظام السياسي ويكرس السلم المجتمعي في عراق لا يستحق غير ان يكون قوياً وديمقراطياً.
هنا نريد القول ان من يقاطع الانتخابات يخدم كل اعداء الديمقراطية الذين يتمسكون للقبض على السلطة بالانتخابات والانفراد الناعم والمشرعن بمصالح البلاد والعباد.
ومن اجل ما تقدم ندعو كل انصار الديمقراطية الحقة في البلاد الى الحذر من تسليم الديمقراطية وآلياتها لأعداء الديمقراطية، لان “ديمقراطية” اعداء الديمقراطية الحقة تعتمد على تخلي انصار الديمقراطية الحقة عن الديمقراطية وآلياتها بالمقاطعة للانتخابات والعزوف عنها ترشيحاً وتصويتاً.
(4)
العراق أولاُ… كيف ؟ ومتى؟
نسمع ونقرأ ونشاهد لافتات براقة بعبارات جميلة مثل العراق أولا.. والعراق هو الأساس .. والعراق القوي .. ونحن أمة.. ولكن كيف؟ ومتى؟
تتحكم في المشهد السياسي العراقي منذ سقوط الحكم الشمولي في (9/4/2003) وحتى يومنا هذا، معادلة التاريخ السيء (تاريخ الشمولية الديكتاتورية) والمستقبل صعب التحقيق (مستقبل انجاز الاستقلال التام والديمقراطية الحقة التي لم تتحقق بعد). وما بين هذا التاريخ السيء وذلك المستقبل الصعب تتمدد مجموعة أزمات ومشكلات وتشوهات لا يمكن مغادرتها ايجابياً إلا بوحدة قوى وشخصيات الحركة الوطنية في العراق.
وإذ تعاني الحركة الوطنية في العراق من أوجاع التشتت وأمراض التناثر فلا شك في إن العمل وليس الدعوة فقط لوحدة الحركة الوطنية ينطلق ليمثل امتداداً ومواصلة للمشاريع والجهود والمحاولات الوطنية الصادقة التي سبق وان بذلت وما زالت تبذل للنهوض بالفعاليات الائتلافية والتحالفية وتعميق مضامينها وصولاً إلى صيغة تنظيمية تلتقي عندها جميع القوى والشخصيات الوطنية الحقة في سياق علاقات شراكة متكافئة.. أي صيغ تنظيمية خلاقة تعمل على دعم رؤى ومواقف وبرامج عمل بخطاب وطني عراقي موحد.
إن انجاز هذه المهمة في عراق المرحلة الانتقالية ينبغي أن يدفع القوى والشخصيات في الحركة الوطنية العراقية باتجاهاتها ومدارسها الفكرية والعقائدية كافة إلى التحالف في سبيل المساهمة الفاعلة في معالجة الإشكاليات الملحة التي يعاني منها الوطن والمواطن وأبرزها :-
- إشكاليات استكمال السيادة وصولاً إلى الاستقلال الناجز عبر تعجيل إنهاء وجود قواعد القوات الأجنبية من العراق وإقامة الحكم الصالح والنظام السياسي المستقر والعادل، وبناء علاقات ايجابية مع دول العالم كافة مبينة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعولمة مكافحة الإرهاب والفساد.
- إشكاليات الإرث الاستبدادي والدكتاتوري القديم والفساد المتغول وبقايا العنف والإرهاب وحماية منجزات التحول الدستوري وصولاً إلى ترسيخ المسار الديمقراطي.
إن معالجة هذه الشكاليات والأزمات تجعل من قوى وشخصيات الحركة الوطنية النافذة في العراق تقترب من بعضها وتحرص على العلاقات الايجابية مع القوى السياسية الوطنية غير النافذة والتعاون معها من أجل الانتقال بالعراق من كيان سياسي هش إلى دولة نظام سياسي مستقر وعادل قادرة على السير صعوداً بالمرحلة الانتقالية التي يعيشها عراق اليوم إلى مرحلة التحول الديمقراطي.
إن مضمون وحدة الحركة الوطنية العراقية سيكون مفتوحاً ومنفتحاً على كل المشاريع الوطنية العراقية الحقة التي تريد للعراق الجديد إن يكون عراقاً مستقلاً.. عراق دولة مؤسسات وقانون .. عراق مجتمع مدني متنوع ومتجانس.. عراق نظام سياسي مستقر وعادل.. عراق حكومة وطنية خادمة تعمل لإيقاف التدهور من اجل انجاز التطور، وتقدم كل ما يخدم الازدهار والتحسن المطرد لحياة المواطن والوطن.
وهكذا من اجل أن يكون العراق أولاً.. والعراق الأساس .. والعراق القوي .. والعراق الأمة نوجه رسالة تنقذ الوطن والمواطن عنوانها (وحدة الحركة الوطنية) .. رسالة إلى من هم ساسة والى من سيصبحون ساسة وحتى لمن يدعون أنهم ساسة.. ودون تلك الوحدة الوطنية العراقية فالعراق مقبل على البعثرة وحين تتهاوى الجدران – كما يقال – فان الغرباء لا يصلحون للإنقاذ.
(5)
ترويض الليفيثيان القادم
الليفيثيان كائن بحري اسطوري شرس استحضره المفكر الانجليزي (توماس هوبز) ليصف به الدولة التي يرغبها. فهل بالإمكان توصيف أهم مخرجات التقانة المتمثلة بالذكاء الاصطناعي بـــــ (ليفيثيان) عصرنا الحاضر الآتي ؟
ان للدولة مابعد (هوبز) محاسنها عندما تم ترويضها لتصبح ضرورة مجتمعية من اجل بناء مجتمع جيد وصناعة انسان جيد .. ولها مساؤها عندما تأتي من اجل تدمير مجمع يستحق التعمير وهزيمة انسان يستحق العمران . كذلك الحال بالنسبة للتقانة ومخرجاتها الصالحة لخدمة الارض والبشر مقابل مخرجاتها الطالحة عندما تكون منزوعة من القيم الاخلاقية والانسانية.
على مر الازمنة تم ترويض (الليفيثيان الهوبزي) واصبحت الدولة وحدة سياسية تنظيمية في خدمة قاطنيها وكان كل ذلك ثمرة طيبة من ثمرات التحالف بين الدولة والانسان فمتى يتم ترويض (الليفيثيان) الصناعي الذكي ليصبح في خدمة البشر وكيف يتحقق التحالف بين الذكاء الاصطناعي والانسان ؟
كان الذكاء الاصطناعي حاضراً فقط في الخيال العلمي. وفي عام 2018م اصبح حقيقة لا خيال. فقد نمت هذه التكنولوجيا بشكل كبير ومتسارع على ارض الواقع حتى اصبحت رئيسية تدخل في صلب جميع مناحي الحياة فخرج الذكاء الاصطناعي من مؤشرات البحوث ومن صفحات روايات الخيال ليصبح جزءاً لايتجزأ من حياتنا اليومية مغيراً لقواعد اللعبة في مواجهة المشكلات المجتمعية الملحة وخلق مستقبل افضل في مجالات الزراعة والحفاظ على الموارد وتحقيق فوائد بيئية واقتصادية.
ان الهدف من مخرجات الذكاء الاصطناعي هو تمكين اجهزة الكمبيوتر من تنفيذ المهام التي يستطيع العقل تنفيذها، وثمة هدفان اساسيان للذكاء الاصطناعي الاول تكنولوجي بإستخدام اجهزة الكمبيوتر لإنجاز مهام مفيدة والثاني علمي للإجابة بمفاهيم الذكاء الاصطناعي عن اسئلة تتعلق بالانسان وغيره من الكائنات الحية.
ان التحالف مابين الذكاء الاصطناعي والبشر يجعل هذا (الليفيثيان) ذي معنى للانسان وصديقاً للبيئة على وفق سياسة تطوير الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة والقابل للتفسير ويتضمن ارشادات اخلاقية تدعو الى نهج في الذكاء الاصطناعي يتمحور حول الانسان ويحترم الحقوق الاساسية والمبادىء الاخلاقية التي تبعد إلحاق الاذى بالانسان الامر الذي يقتضي من كل دولة ان تنتهج خطوط وتضع استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي تعزز الوقاية المستقبلية من مخاطر مخرجاته التي تضر بالاستقرار وتؤثر على القانون والاخلاقيات الاجتماعية.
ان المساهمة في تطوير الذكاء الاصطناعي يمكن ان تكون فعالة من خلال تضمين الاخلاق في المعايير التكنولوجية العالمية وبالذات في تصميم التقنيات الحديثة بطريقة تؤدي الى المزيد من المساواة والمسئولية والشفافية لتجعل الآلات الذكية مراعية لقواعد الاخلاق ومتجنبه للمشكلات التي يخلقها الذكاء الاصطناعي والتي يكون من الصعب التعامل معها بمجرد حصولها.
ولعل اخطر مخاطر تقانة الذكاء الاصطناعي تحصل في السياسة حيث ان الديمقراطية ستكون مهددة عند تركز السلطة في ايدي عدد صغير من اصحاب المال القادرين على تراكم السلطة الرقمية في ايديهم لوضع عقبات امام الذكاء الاصطناعي الاخلاقي. فهؤلاء من اجل السلطة والثروة ونهب الموارد يتنكرون لمشاكل تغير المناخ والاحتباس الحراري وخطر الاسلحة القاتلة الذاتية التشغيل.
نعم لاينبغي القول انه يجب ايقاف او تعليق التكنولوجيا وتطبيقاتها ولكن لنجعل منها تكنولوجيا جديرة بالثقة ومنزوعة من العيوب الاخلاقية الخطيرة لان اخلاقيات الذكاء الاصطناعي لاتتعلق بمنع الاستمرار في تطوير التكنولوجيا ولاتدعو الى تقييدها. ففي ظل المؤشرات السياسية المنزوعة الاخلاق في عالمنا المعاصر يعد تجاهل الاسئلة الاخلاقية من قبيل انعدام المسئولية ويجب ان تتضمن وتهتم وتنشغل السياسة بل وتروض بما فيها سياسات الذكاء الاصطناعي بالاخلاقيات الايجابية.
(6)
كيف ننهض بالعراق ؟
ان النهضة بمعنى نهوض الانسان لتعمير الاوطان تستحضر كل فكر او فعل له جدوى واستبعاد كل فكر او فعل بلا جدوى.
فلا جدوى ولا رجاء ولافائدة من نتائج انتخابات بدون اطر قانونية انتخابية مستقرة ومتكاملة تغطي وتنظم كل مراحل العملية الانتخابية .. ولاجدوى من نتائج انتخابات بدون كابح اخلاقي يمنع توظيف المال الفاسد واستخدامه وصولاً الى سلوك انتخابي خارج عن جادات القيم النبيلة التي تغرز الثقة بين الحكام والمحكومين .. ولاجدوى من نتائج انتخابات بدون كابح الوعي السياسي الذي يمنع اعتماد البواعث والدوافع التقليدية(الطائفية الانتقامية والعشائرية العتيقة والقومية المتعصبة والمناطقية الضيقة) التي تقود الناخب للتصويت في صندوق يراد منه نتائج بناء جديد لوطن ومواطنين لا لتكريس كيانات ومكونات رعايا واتباع وزبائنية .. ولاجدوى لثروة نفطية دون وجود قانون النفط والغاز يحفظ للشعب ثرواته ويكافح تضخيم ثروات الفساد والفاسدين .. ولا جدوى لتعددية سياسية حزبية دون تفعيل لتنفيذ قانون الاحزاب على اسس واطر وطنية عراقية تتلاقى واقع حال التعددية المنحرفة الى تعدديات تقليديةمذهبية وعشائرية وقومية وجهوية مناطقية ضيقة.. ولا جدوى من شراكة وطنية دون وجود معارضة برلمانية ايجابية تراقب السلطة التنفيذية وترصد ادائها وتضغط من اجل المسائلة والمحاسبة على تقصيراتها.
ان بدون هذه الكوابح الثلاثة (القانوني – الاخلاقي – الوعي السياسي) لا غرابة في توقع التأخير والمماطلة في تشكيل الرئاسات الثلاث .. ولا عجب في تفريخ ازمات من ازمات العوز التشريعي والعوق المؤسساتي والعجز الخدمي والعشق للماضي والعقم الانتاجي والعرج المعرفي والعزوف عن الاولويات والعبث بالمال العام.
وان بدون هذه الكوابح الثلاثة لاعجب في تصاعد منسوب تضخم ولادات رجالات الساسة وهبوط منسوب ولادات رجال الدولة . وان بدون هذه الكوابح الثلاثة يبقى الوطن عالقاً في مهب الرياح الاقليمية والدولية بلا نهضة ومفعولاً به لافاعل ولايراد له ولشعبه من هذا الاخر الاقليمي والدولي اصلاح الحال ولا حفظ المال ولا ضمان مستقبل للعيال.
وان بدون هذه الكوابح الثلاثة لاجدوى من دستور ولاقوانين لاتحكم واضعيها.. ولاجدوى من ديمقراطية دون استقلال ولا جدوى من استقلال دون ديمقراطية .. ولاجدوى من اقتصاد استهلاكي عقيم انتاجياً.. ولاجدوى من استخدام تقنيات معرفة دون المساهمة في انتاجها.. ولاجدوى من مكافحة الارهاب دون مكافحة الفساد والعكس صحيح …
ايضاً لاجدوى من استيراد تقنيات وانظمة الذكاء الاصطناعي دون اعداد منتجين من مواطنين اذكياء في دور علم ومعرفة اكاديمية رصينة قادرة على المساهمة في انتاج تقنيات وبرامج وانظمة هذا الذكاء.
نؤكد على جدوى هذه الكوابح ونحن في عالم مضطرب غلافه املس وناعم وبواطنه خشنة ومتوحشة وسلوكياته تافهة او فوضوية يستحيل التعامل معه دون التحصن بالوعي السياسي والتدرع بالاخلاق والتسلح بالقانون وصولاً الى مجتمع محكوم بمنطق دولة لا بمنطق سلطة غنائم وسلطان نفوذ.
(7)
خارطة معايير لإختيار الرئاسات الثلاث
بعيداً عن هوس تداول الاسماء والتسميات الذي اصبح ، كل اربع سنوات عند انتهاء الانتخابات يمزق طبول الاذان وينخر شبكات الاذهان ويشتت الافكار ويعمي الابصار. دعونا هذه المرة نفكر بيقظة ونعمل بمسؤولية وطنية لإختيار الرئاسات الثلاث على وفق منطق الدولة وأحكام الدستور لا على وفق منطق ماقبل الدولة .. وعلى وفق بوصلة الوطنية لا على وفق بوصلة التوافقية التي فرضت وبوركت وطبقت من اعداء العراق والدستور بريء منها.
نعم ان ماصار وما لمسناه بصدد اختيار الرئاسات الثلاث سبق وان تم بغلبة العلوية الاجتماعية التوافقية على العلوية الدستورية ، فأصبحت للتوافقية الاجتماعية الثلاثية (الشيعية – الكوردية – السنية) التقليدية الغلبة على التعددية السياسية (الاغلبية السياسية – الاقلية السياسية – قوى المساندة – قوى المعارضة)، وهذا السياق التقليدي الماقبل البدائي اخذ يتصلب انتخابات بعد اخرى لبلد يستحق ان يكون دولة يحكمها من يُعمر البلاد ويخدم العباد.
ان غلبة منطق الدولة يعني سيادة القانون وحاكمية الثقة بين الحكام والمحكومين وحكم المؤسسات وتعددية تقوم على تعايش وتسامح مجتمعيين وتنافس سياسي وقوة جند لدولة مسلحة بالعلم والمعرفة ومحصنة بالاخلاق السياسية ومدرعة بالوعي السياسي ومحمية بالقانون ونامية بإقتصاد انتاجي خصب. وتلك هي المعايير الاساسية لمنطق الدولة، بيد ان انتظار حصول ذلك هو بمثابة (انتظار كودو) فيما لو تركت الامور لنضوج الظروف الموضوعية ، فما العمل ؟
ان السياسة في عالمنا اليوم تقاد من الرأس وليس من القاعدة ، والرأس يتمثل بالحكومة ، فما هي معايير المنهج الوزاري والبرنامج الحكومي القابلة للتنفيذ والقادرة على الإلتزام بمنطق الدولة ودستورها ؟
ان المعايير هنا ينبغي ان تكون موزعة مابين معايير خاصة بالمنهاج الوزاري المختصر تلحق بها معايير خاصة بالبرنامج الحكومي المفصل والمطول .
ان مأسسة المعايير بصنفيها ينبغي إلا تتخطى التعهدات غير المتحققة في المناهج والبرامج الحكومية السابقة . كذلك ينبغي ان تراعي هذه المعايير التأكيد على ايقاف التدهور قبل التعهد بالتطور لإجتياز كل عقبة من العقبات المزمنة التي صاحبت مسار بناء الدولة وعرقلته .. بمعنى أدق ايقاف التدهور الحاصل من جراء عقبات العوز التشريعي والعوق المؤسساتي والعجز الخدمي والعقم الانتاجي والعبث بالمال العام والعرج المعرفي لان إدراج معيار التعهد بإيقاف التدهور أولاً ضمن اولويات المنهاج الوزاري والبرنامج الحكومي خير وأفضل من حشوهما بالشعارات الوردية التي نسمع بها ولا نراها.
كما ان خارطة ممأسسة المعايير لابد وان تراعي استخدام سياق الاجندة (الافضليات) في الانجاز للتعهدات . ومن باب الواقعية فان المحاصصة السياسية اذا كانت مقبولة الحضور تحت قبة مجلس النواب فانها ولا المحاصصة غير السياسية مقبولتان في تنصيب الاشخاص في مؤسسات الدولة بسلطتيها التنفيذية والقضائية والتي ينبغي ان تدار من اشخاص يتمتعون بالكفاءة والخبرة والنزاهة التي لاتصنعها الانتماءات لمذهب أو عشيرة او قومية بل تصنعها الولاءات للوطن والوطنية.
ان منطق الدولة يقتضي حضور وتسييد الإلزامية القانونية ومن السذاجة هنا المراهنة على إلزامية اخرى في شأن تنفيذ مفردات المنهاج الوزاري والبرنامج الحكومي . كما ان خارطة معايير منطق الدولة ينبغي ان تغطي الابعاد المجتمعية لبناء الدولة السليم ومنجزاتها (السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية).
ان خارطة المعايير هذه لا علاقة لها بشخص فلان او كابية فلانية بل هي معايير لكل حكم قادم (اشخاص ومؤسسات) يرغب العمل السياسي وفق منطق الدولة تخلصا من عقد اختيار الرئاسات الثلاث التي اوقعت السايس والمسوس في حيرة الاسماء والتسميات وهوسها بسبب تسييد العلوية التوافقية على العلوية الدستورية فضاعت الموازين وتوارى منطق الدولة.
ان الحذر كل الحذر من الانحدار الى هاوية العلوية الشعبوية التي لاتنفع فيها خارطة ولا معايير ولا دستور ولا منطق دولة …