القوانين والتشريعات المؤجلة إلى أين
ان القدرة على سن القوانين والتشريعات تعد أحد الأعمدة الأساسية للدولة الديمقراطية، فهي تربط بين إرادة الشعب والتطبيق القانوني، وتؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين وسياسات الدولة.
إذ يمثل التشريع أحد الأعمدة الأساسية للدولة ، حيث يقوم البرلمان بسن القوانين التي (تنظم الحياة العامة، تعزيز الحقوق، وحماية الأمن والاستقرار).
في العراق، تعاني العملية التشريعية من تراكم مشاريع القوانين غير المقرة من تأجيل أو ترحيل وهذا يعود إلى ان التشريعات المهمة وتشريعها غير مدروس أو متعارض أو مسيس فالعمل النيابي يعاني من مشاكل خلافية سياسية مرتبطة بمصالح كتل متعارضة، أو متأثرة بغياب النصاب والجمود التشريعي
الأمر الذي يدعونا إلى طرح تساؤل حول المسار المستقبلي للسلطة التشريعية وتشريعاتها؟ وهو ما سنعمل على بيانه وتوضيحه في ثنايا ورقتنا البحثية هذه
أولاً: ما المقصود بالتشريعات والقوانين المؤجلة والمرحلة.
في العراق، يشهد مجلس النواب العراقي في الدورات الأخيرة ظاهرة تأجيل أو ترحيل قوانين مهمة وعدم التصويت عليها رغم ورودها في جداول الأعمال، مما أثار جدلاً واسعاً بين السياسيين والمراقبين السياسيين والاجتماعيين.
1- التشريعات والقوانين المؤجلة.
أن التشريعات والقوانين المؤجلة تعني أن العديد من مشروعات القوانين لا تتم مناقشتها أو التصويت عليها، أو يتم سحبها من جدول الأعمال وتركها معلقة إلى أجل غير محدد أو إلى الدورة القادمة للبرلمان، وهذا ينعكس سلباً على الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
وهذه الأزمة التشريعية متجذرة في مجلس النواب العراقي وهي تفصح عن ملامح خللٍ بنيوي في آليات العمل البرلماني، حيث يقف شرط النصاب القانوني – بوصفه قاعدة دستورية ضامنة للشرعية – أمام اختبار سياسي متكرر تُعطّله الحسابات الانتخابية والولاءات الحزبية. ومع اقتراب الدورة النيابية من نهايتها، يتزايد حجم القوانين المعلّقة التي لم تجد طريقها إلى التصويت، لتكشف عن فجوة بين النصوص الدستورية التي تؤكد على استمرارية الأداء التشريعي، والواقع العملي الذي يضع المصلحة الانتخابية الفردية والحزبية فوق الواجب الدستوري.
وعلى الرغم من اتفاق اغلب الأوساط السياسية والشعبية والثقافية، على حاجة العراق الكبيرة لتعديل العديد من القوانين النافذة والتي يعود معظمها للنظام السابق، وكذلك ضرورة تفعيل قوانين موجودة لكنها معطلة، فيما يبقى هذا التوجه رغم الاتفاق على اهميته رهينة التعطيل والتأجيل، بسبب اختلاف وجهات النظر حول كيفية صياغة هذه القوانين.
فمجلس النواب طوال الدورات الانتخابية السابقة لم يكن بالمستوى المطلوب من ناحية تشريع القوانين، بسبب الخلافات السياسية وعلى كثرة اللجان المشكلة، من أجل إجراء تعديلات قانونية، غالبيتها معنية بشكلٍ وثيق بالشأن العراقي، وحصلت مناقشات أولية، لكن العمل بشأنها لم يُستكمل.
هذا ويعود أسباب تأجيل القوانين والتشريعات إلى مايلي:
1- الصراع بين الكتل السياسية المختلفة داخل البرلمان الذي يؤدي إلى عدم التوافق حول نصوص القوانين حساسة، مما يؤجل مناقشتها أو يصرف الانتباه.
٢-الجمود السياسي وعدم القدرة على عقد جلسات فعالة، تكون إدارة المجلس مضطرة أحياناً إلى ترحيل مشاريع القوانين إلى دورات مستقبلية أو حذفها نهائياً من جدول الأعمال.
٣-في بعض القضايا الحساسة (مثل الأمن، الجماعات المسلحة، الحقوق الاجتماعية)، يتعرض القانون لضغوط من جهات متعددة، مما يؤدي إلى تعليق المسار التشريعي حتى يتم التوافق على صيغة نهائية.
٤- غياب النواب أو المقاطعة السياسية في جلسات مهمة يؤدي إلى عدم اكتمال النصاب اللازم للتصويت على القوانين، مما يكرس ظاهرة التأجيل.
ولم تعاني السلطة التشريعية من ظاهرة تأجيل القوانين والتشريعات بل عانت أيضاً من ظاهرة الترحيل فمالمقصود بها
2- التشريعات والقوانين المرحلة.
ان المقصود بظاهرة( ترحيل القوانين) تعني أن مشاريع القوانين لا تصل إلى التصويت النهائي داخل الجلسة، بل يتم تأجيلها أو حذفها من جدول الأعمال ونقلها إلى الدورة التالية أو الأجل غير المحدد دون إقرارها، رغم أنها قد تكون وصلت لقراءات أولى أو ثانية. وهذا يؤدي إلى تجميد التشريع وعدم وجود قوانين نافذة في ملفات مهمة مثل قوانين الحشد الشعبي، القانون النفطي، أو إصلاحات اجتماعية واقتصادية.
ان انتهى الدورة البرلمانية الخامسة قد اعتمد في باب اختصاصه التشريعي (تشريع القوانين) على ظاهرة ترحيل القوانين إلى الدورة البرلمانية السادسة، إذ تم ترحيل عدد كبير من مشاريع القوانين، في مؤشر يمكن وصفه بــ”الفشل التشريعي الذي يجب ألا يتكرر”.
فأكثر من 130 مشروع قانون لم يتم تمريرها خلال الدورة السابقة، وتم ترحيلها إلى البرلمان الحالي، بسبب غياب التوافقات السياسية، وسوء إدارة الوقت التشريعي، إلى جانب الانشغال المستمر بالأزمات الطارئة.
أن هذا الكم من القوانين المؤجلة يعكس خللاً واضحا في أداء السلطة التشريعية، ويضع علامات استفهام كبيرة حول فاعلية البرلمان في إنجاز المهام الدستورية الموكلة إليه” وان هذا “التراكم في الملفات دون حسم، يضعف ثقة المواطن بالعملية السياسية ومؤسساتها المنتخبة.
فالبرلمان لم يتمكن خلال الفترة الماضية من عقد جلساته بشكل منتظم بسبب غياب التوافق بين الكتل السياسية، الأمر الذي أدى إلى تعطيل تمرير العديد من القوانين المهمة على الرغم من ، أن النظام الداخلي للبرلمان ينص على عقد ثماني جلسات شهرية على الأقل، لكن هذا النص لم يُطبق فعلياً، إذ إن معظم الجلسات لم تُعقد بسبب عدم اكتمال النصاب. وعدم الانسجام وغياب الاتفاق على مستويات عدة، منها الجانب السياسي بين الأحزاب ومنها ما يتعلق برئاسة البرلمان نفسه، وهو جزء من العرقلة في الجلسات وتمرير القوانين وترحيلها كما ان عناد بعض الكتل وتغيبها عن الحضور بأوامر زعماء الأحزاب، بات ظاهرة سلبية وتأثيرها مباشر على المواطن العراقي الذي ينتظر القوانين التي تخدمه، ويؤشر إلى حالة عدم ثقة شعبية بالسلطة التشريعية.
فأعضاء السلطة التشريعية في غالبيتهم يخضعون لأوامر حزبية مباشرة، بالتالي فإن تغيب النواب يعني أن أحزابهم أمرتهم بذلك، حيث لا يستطيع معظم النواب اتخاذ قرار بالحضور أو التصويت أو الاعتراض أو الغياب من دون أوامر الحزب، ما يعني في النهاية وان معالجة هذه المشكلة تقع على عاتق رئيس مجلس النواب الذي يجب أن يكون اكثر صرامة مع هذه الحالة، وإنهاء المهزلة، لانها تهز الثقة بشكلٍ كبير بالسلطة التشريعية
ومما تقدم يمكن القول ان اسباب ترحيل وتأجيل القوانين والتشريعات يكمن في ما يلي:-
1- الانقسامات والصراعات السياسية: فالخلاف السياسي العميق بين الكتل داخل البرلمان، بحيث لا يصل المشروع إلى توافق واسع يتيح تمريره، مما يدفع إلى تأجيل جلسات وتشريعات بشكل متكرر.
2- عدم اكتمال النصاب القانوني
3- استخدام القوانين كأداة سياسية: استخدام مشاريع القوانين كـ «أوراق تفاوض» بين الأحزاب والكتل للتفاوض على ملفات أخرى، أو لأغراض سياسية انتخابية، فينتهي المطاف بتأجيلها بدل البت فيها.
4- انشغال البرلمان بقضايا جانبية: يركز مجلس النواب في كثير من الجلسات على استجوابات ومنازعات سياسية داخلية بدلاً من العمل التشريعي الجاد، مما يقلل من الوقت المخصص لمناقشة القوانين وإقرارها.
٥- تعقيد القوانين المطروحة: بعض مشاريع القوانين تتعلق بملفات معقدة مثل النفط والغاز أو نظام الخدمة المدنية، وتتطلب نقاشًا عميقًا وتوافقًا سياسيًا أكبر.
٦-تدخلات خارجية أو قضائية: قد تتداخل القضايا القضائية أو الدستورية مع عملية التشريع، بحيث تتعرقل القوانين بسبب قضايا مطروحة أمام المحكمة الاتحادية أو الانقضاض عليها قانونيًا.
وان لهذه الظاهرة تأثيرات عديدة منها الآتي:-
1- تأثير سياسي يتمثل في انعدام الاستقرار البرلماني وتراجع الثقة في قدرة البرلمان على أداء دوره الرقابي والتشريعي وزيادة الاحتقان بين القوى السياسية وتشكل حواجز أمام الإصلاحات المؤسساتية.
2- تأثير اجتماعي واقتصادي يتمثل في تأخير وضع أطر قانونية مهمة في مجالات مثل الأمن، الاقتصاد، الخدمات، مما يؤثر على حياة المواطنين وجودة الخدمات العامة. فضلاً عن إعاقة إقرار قوانين هامة مثل قانون النفط والغاز الذي يمكن أن يعزز النمو الاقتصادي.
ثانياً: أهم القوانين والتشريعات المؤجلة
بعض أهم المشاريع التشريعية التي تم تأجيلها أو سحبها من البرلمان وتتمثل بالآتي:-
1- قانون الحشد الشعبي: تم سحب مشروع تعديل هذا القانون من البرلمان بشكل مؤقت، مع تأجيل التصويت عليه حتى يتوصل الكتل إلى توافق سياسي حوله.
2- التعديلات على قانون مكافحة المخدرات: المشروع معلق في لجان البرلمان بانتظار النقاش والصياغة النهائية، ولم يتم التصويت عليه بعد.
3- قانون مجلس النواب نفسه (التعديل): مشروع تعديل نظام عمل البرلمان موجود في اللجان ولم يخرج إلى الجلسة العامة للتصويت عليه.
4- قانون الحق في الحصول على المعلومات: واحد من المشاريع التي تنتظر مناقشة شاملة، بهدف ضمان حرية الوصول للمعلومات للمواطنين.
5- مشروع تعديل قانون التقاعد: من التشريعات المنتظرة والتي لم يتم البت فيها بعد.
6- أكثر من 100 مشروع قانون مهم: بحسب تصريحات نواب، هناك أكثر من 120 مشروع قانون مؤجل إلى الدورة التشريعية القادمة أو دون تاريخ محدد لسماع آرائه.
ان الخلل الحاصل في اطار عمل المؤسسة التشريعية لا يمكن اصلاحه إلا من خلال ثورة إصلاحية تستهدف بنية هذه المؤسسة وتشكيلاتها وهو ما سنناقشه في مايلي
ثالثاً: حاجة السلطة التشريعية إلى ثورة إصلاحية
أن الثورة الإصلاحية في السلطة التشريعية تعني مجموعة من الإصلاحات الجذرية والعميقة غايتها إعادة بناء المؤسسة التشريعية على أسس دستورية ومهنية وتصحح مسار العمل النيابي، وتعزز الاستقلالية والنزاهة والكفاءة. فهي إصلاح النظام من الداخل عبر أدوات قانونية ودستورية، تحفظ الاستقرار السياسي وتحقق تطلعات المواطنين وهذا الاصلاح يمثل حاجة ماسة للاسباب الآتية:
1- الحفاظ على مبدأ الفصل بين السلطات: فضعف السلطة التشريعية يؤدي إلى هيمنة السلطة التنفيذية، وهو ما يخلّ بالتوازن الدستوري.
2- الاستجابة لمتطلبات الدولة الحديثة: الدولة المعاصرة تحتاج إلى تشريعات:مرنة.ومواكبة للتطورات الاقتصادية والتكنولوجية وقائمة على دراسات وخبرات علمية.
3- مواجهة الفساد السياسي والتشريعي: فالإصلاح الجذري يسهم في تقليص النفوذ غير المشروع داخل البرلمان وتعزيز النزاهة والشفافية في التشريع.
4- تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي: تشريعات عادلة وفعالة تقلل من الاحتقان الاجتماعي، والأزمات السياسية المتكررة
٥- مواكبة التشريعات للتطورات الاجتماعية والاقتصادية فالعراقيين بحاجة إلى قوانين تخدمهم فغالبية القوانين المعمول بها في العراق تعود إلى قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل وبعض قرارات هذا المجلس باتت لا تنسجم مع طبيعة المرحلة الحالية، ناهيك عن اهمال القوانين لحقوق الإنسان، ورغم هذا التشخيص المثبت لدى غالبية الأحزاب العراقية، والسلطات والمسؤولين، إلا أن الفوضى السياسية التي حصلت في البلاد طيلة العقدين الماضيين حالت دون إجراء التعديلات على القوانين، والتي لا تتم أي التعديلات إلا من خلال:-
1- إصلاح النظام الانتخابي لكي يضمن عدالة التمثيل وتقليل تأثير المال السياسي وتعزيز وصول الكفاءات إلى البرلمان.
2- إعادة هيكلة النظام الداخلي للبرلمان من خلال تنظيم الجلسات وضبط الحضور وتحديد مدد زمنية لمناقشة القوانين وفرض عقوبات على الغياب غير المبرر.
3- تعزيز المهنية التشريعية من خلال إشراك الخبراء والأكاديميين في صياغة القوانين. وإنشاء وحدات بحثية داعمة للنواب واعتماد تقييم الأثر التشريعي قبل إقرار القوانين.
4- تفعيل الدور الرقابي الحقيقي: بتحييد الرقابة عن الصراعات السياسية، وتعزيز استقلال اللجان النيابية وحماية النواب الرقابيين من الضغوط السياسية.
5- تعزيز الشفافية والمساءلة: بنشر محاضر الجلسات والتصويتات، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع المواطنين، وتمكين الإعلام والمجتمع المدني من مراقبة الأداء النيابي.
6- محاسبة الشعب: فالمادة (22/ثانياً) من الدستور العراقي قد أكدت بأنَّ العمل حق لكل العراقيين وأنَّ الدولة تكفل لهم شروطه العادلة، وأَنَّ تعطيل تشريع القوانين التي تنظم الحقوق العمالية والمعيشية هو تقصير مباشر في تحقيق هذا الالتزام، كما أنَّ المادة (30/أولا) توجب على الدولة ضمان الحياة الكريمة للمواطنين، وبما أن البرلمان هو الأداة التشريعية لتحقيق ذلك فإن تقصير النواب في أداء مهامهم بسبب التغيب أو غياب غير المبرر يُعد مخالفة توجب المساءلة.
وفي هذا الصدد تقوم نظرية المسؤولية التقصيرية المدنية المنصوص عليها في المادة (204) من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 المعدل على ضرورة وجود خطأ وضرر وعلاقة سببية، فإذا تحقق هذه العناصر الثلاثة أصبحت للمتضرر الحق بالمطالبة بالتعويض، والغياب المستمر وغير المشروع لأعضاء مجلس النواب عن جلساته، مع علمهم اليقيني بما يترتب على ذلك من شلل تشريعي وتأثير مباشر على حياة الناس يعد خطأ جسيماً، والضرر المترتب سواء في تعطيل قوانين الرعاية الاجتماعية أو حقوق العمل أو الخدمات العامة، هو ضرر مؤكد مما يفتح المجال لقيام المسؤولية المدنية .
رابعاً: العوامل المؤثرة في مستقبل القوانين والتشريعات المؤجلة
1- طبيعة النظام السياسي التوافقي: فالنظام القائم على التوافق والمحاصصة يجعل التشريع مرهوناً بالإجماع، ما يصعّب تمرير القوانين الخلافية.
2- أداء مجلس النواب: من خلال الانضباط النيابي وكفاءة اللجان وجدية رئاسة البرلمان.
3- الضغط الشعبي والإعلامي: فكلما ازداد الوعي والضغط المجتمعي، زادت فرص، إعادة تحريك القوانين الراكدة أو إجبار البرلمان على تحديد موقف واضح منها.
4- الدور القضائي والدستوري: تسهم المحكمة الاتحادية في تفسير النصوص الدستورية أو الحد من تعطيل بعض التشريعات لكن دورها يظل غير مباشر.
وفي حالة استمرار السلطة التشريعية القادمة بأدائها المؤجل والمرحل وغير الحاسم للقوانين فإن انعكاساته ستكون على:
– إضعاف هيبة السلطة التشريعية.
– فقدان الثقة الشعبية بالنظام السياسي.
– تأخير الإصلاحات الاقتصادية والإدارية.
– توسّع الفراغ القانوني أو الاعتماد على قرارات تنفيذية بدل التشريع.
خامساً: السيناريوهات المحتملة لمستقبل القوانين والتشريعات المؤجلة
1- سيناريو الترحيل المستمر: وضمن هذا السيناريو فإن عدداً كبيراً من القوانين سيبقى مؤجلاً إلى دورات برلمانية قادمة، وقد يُعاد طرحه دون ضمان إقراره، مما يؤدي إلى حلقة مفرغة من التعطيل التشريعي.وهذا السيناريو يحدث في حال استمرار الخلافات السياسية مع ضعف الانضباط النيابي وغياب الإصلاح المؤسسي.
2- سيناريو إقرار القوانين انتقائياً: ويعني أن مستقبل التشريعات المؤجلة سيكون انتقائياً، يخضع لميزان المصالح السياسية أكثر من الحاجة المجتمعية.
وان طبيعة القوانين التي سيتجه البرلمان لتشريعات ضمن هذا السيناريو هي ذات الطبيعة غير الخلافية أو ذات الطابع الخدمي والإجرائي أما القوانين التي سيتم تأجيلها هي القوانين الاستراتيجية أو السيادية (مثل قوانين النفط والغاز أو إصلاح النظام السياسي).
3- سيناريو توافق سياسي لحسم القوانين: اي حسم عدد من القوانين المؤجلة دفعة واحدة، خصوصاً تلك المرتبطة بالإصلاح الإداري والاقتصادي، لكن هذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية قوية، وهو الأقل تحققاً حتى الآن ويتم هذا السيناريو في حالة التوافق السياسي واسع أو ضغط شعبي حقيقي أو تدخل إصلاحي من رئاسة الدولة أو المحكمة الاتحادية.
٤- سيناريو الإلغاء الضمني: قد يكون مصير بعض القوانين الإلغاء غير المعلن دون تصويت رسمي، وهو ما يُضعف التخطيط التشريعي للدولة وهو ما يتحقق من خلال الإهمال العملي، أو سحبها من اللجان، أو فقدان الأهمية بتغيّر الظروف.
الخاتمة
تعد التشريعات المؤجلة أحد ابرز التحديات التي تواجه مسار بناء الدولة وترسيخ الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي وإن استمرار تأجيل إقرار هذه القوانين لا ينعكس فقط على الأداء التشريعي لمجلس النواب، بل يمتد أثره ليطال ثقة المواطنين بالمؤسسات الدستورية ويُضعف قدرة الدولة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة. وعليه، فإن الإسراع في تشريع القوانين المؤجلة، بروح المسؤولية الوطنية والتوافق السياسي، يُعد خطوة أساسية نحو تعزيز سيادة القانون، وتحقيق العدالة، ودعم الإصلاحات الشاملة التي ينشدها المجتمع العراقي. فالتشريع الفاعل ليس خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة ملحّة لبناء عراق مستقر وقادر على مواجهة التحديات المستقبلية
كما ان الكم الهائل من القوانين المؤجلة يعكس خللاً واضحًا في أداء السلطة التشريعية، ويضع علامات استفهام كبيرة حول فاعلية البرلمان القادم في إنجاز المهام الدستورية الموكلة إليه وان تراكم الملفات دون حسم، يضعف ثقة المواطن بالعملية السياسية ومؤسساتها المنتخبة.
فاصبحت السلطة التشريعية بحاجة إلى ثورة إصلاحية وان هذه الحاجة ليست خياراً سياسياً، بل ضرورة دستورية ومجتمعية من اجل ضمان بقاء الدولة واستقرارها. فبرلمان قوي، مستقل، وفعّال يمثل حجر الأساس لأي نظام ديمقراطي حقيقي.
ولا يمكن تحقيق هذه الثورة الإصلاحية إلا بتكامل الجهود بين الإرادة السياسية، والوعي المجتمعي، والدعم الدستوري والقانوني، بما يضمن انتقال السلطة التشريعية من حالة الجمود والضعف إلى مؤسسة فاعلة وقادرة على قيادة الإصلاح الشامل.
التوصيات:
1-على أعضاء البرلمان الجديد والكتل السياسية أن يبتعدوا عن الصراعات الحزبية والمناكفات السياسية الضيقة، وأن يعملوا على إعادة ترتيب أولويات العمل التشريعي بما يخدم المواطن أولًا، لا المصالح الفئوية.
2- ضرورة تضمين الدورة المقبلة “خطة تشريعية واضحة، تتضمن حسم القوانين العالقة خلال السنة الأولى من عمر البرلمان الجديد، بإشراف مباشر من رئاسة المجلس القادمة، وبما يضمن إنتاج دورة برلمانية منتجة لا مؤجلة.
3- توفر الإرادة السياسية.
4- تعزيز ثقافة التوافق بين الكتل وضرورة تبني آليات حوار سياسي مسبق قبل عرض القوانين للنقاش العام.
5- اعتماد عقوبات تنظيمية للمقاطعين غير المبررين بهدف رفع نسبة اكتمال النصاب القانوني.
6- تعديل نظام العمل الداخلي للبرلمان لضمان تحديد جلسات قانونية للتصويت وليس فقط للنقاش السياسي.
7-إشراك المجتمع المدني والمختصين في مرحلة صياغة التشريعات لضمان قبول أوسع ونقاش هادف قبل التصويت.
8- تفعيل الدور الرقابي والإعلامي.
9- تشجيع وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني على متابعة ملف التشريعات المؤجلة وتسليط الضوء عليها لزيادة الضغط الشعبي باتجاه إقرارها.
10- الالتزام بالجداول الزمنية.
11-وضع سقوف زمنية محددة لمناقشة وإقرار القوانين المؤجلة، مع مساءلة الجهات التي تتسبب في تعطيلها دون مبررات قانونية.
12- تعزيز القدرات التشريعية لمجلس النواب.
13- تطوير الكفاءات القانونية والفنية للجان البرلمانية عبر التدريب والاستعانة بالخبراء لضمان جودة التشريعات وسرعة إنجازها.
14- توسيع دائرة المشاركة لتشمل الأكاديميين والنقابات والقطاع الخاص عند صياغة القوانين، بما يعزز واقعيتها وقابليتها للتطبيق.
15- مراجعة القوانين المؤجلة دوريًا.
16- إجراء تقييم دوري لأسباب التأجيل ومعالجة المعوقات القانونية أو السياسية التي تحول دون إقرارها.
17- إعلان أسباب تأجيل التشريعات للرأي العام بشكل واضح، بما يعزز الثقة ويحد من الشكوك حول دوافع التعطيل.