العراق ما بعد مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية: التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية

د. عبد الخالق جواد / علوم سياسية

العراق ما بعد مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية: التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية

د. عبد الخالق جواد / علوم سياسية

ملخص

تتناول هذه الورقة تأثير مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية لعام 2026 على العراق، وتوضح أنه قد يسهم في تعزيز الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي من خلال خفض التوترات الإقليمية وإبعاد مؤشرات الاقتتال بالوكالة، وتؤكد على أهمية تركيز العراق على استثمار هذه المذكرة وتخفيف الضغوط الخارجية على مؤسساته وتبني سياسات مستقلة ومتوازنة تخدم المصالح العليا للبلاد.

المقدمة

شهد الشرق الأوسط خلال حزيران 2026، بدايات تحول استراتيجي بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية التي مددت وقف أطلاق النار بين الطرفين وفتح مرحلة جديدة من التهدئة الإقليمية، وقد مثّلت مذكرة التفاهم، الذي تضمنت وقفاً لإطلاق النار لمدة ستين يوماً والشروع في مفاوضات سياسية وأمنية أوسع، نقطة انعطاف في بنية التوازنات الإقليمية، لاسيما بالنسبة للعراق الذي يُعد أكثر الدول تأثراً بالتفاعلات الأمريكية–الإيرانية بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية وتشابك مصالحه الأمنية والاقتصادية مع الطرفين. ومذكرة التفاهم لا تمثل مجرد تسوية ثنائية، بل إعادة صياغة جزئية للنظام الإقليمي، مع انعكاسات مباشرة على ملفات النفوذ، والطاقة، والأمن، ومستقبل الوكلاء في المنطقة.

أولاً: التحولات السياسية في العراق.

على المستوى السياسي، تتيح مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية فرصة لمراجعة الرؤى الاستراتيجية لصناع القرار العراقي تجاه موقع العراق ودوره في البيئة الإقليمية، بما ينسجم مع خصوصية وضعه الجيوسياسي وتوازن علاقاته مع الطرفين بعد سنوات من الضغوط المتبادلة التي جعلت الساحة العراقية إحدى أبرز ساحات الصراع غير المباشر بينهما، وأدى التصعيد العسكري في حرب 28 شباط 2026، إلى زيادة الضغوط على الحكومة العراقية نتيجة استهداف المصالح الأمريكية من قبل بعض الفصائل المسلحة، وما تبع ذلك من ردود وتصريحات رسمية أمريكية وكذلك استهداف قواعد ومنشآت عسكرية تابعة للحشد داخل الأراضي العراقية، إلا أن مذكرة التفاهم الجديدة قد تدفع باتجاه تخفيف حدة الاستقطاب السياسي الداخلي المرتبط بالمواقف من واشنطن وطهران.

كما أن انتهاء الحرب يحدّ من احتمالات استخدام العراق كساحة مواجهة بالوكالة، الأمر الذي يمنح الحكومة العراقية هامشاً أكبر في إدارة علاقاتها الخارجية وفق منطق المصالح الوطنية بدلاً من ضغوط الاستقطاب الإقليمي. وأن نجاح مذكرة التفاهم قد يعزز فرص بغداد في تبني سياسة خارجية أكثر توازناً، مستفيدة من الانفتاح المتوقع بين واشنطن وطهران خلال مرحلة التفاوض المقبلة.

في المقابل، لا يخلو المشهد من تحديات سياسية؛ إذ إن تحسن العلاقات الأمريكية–الإيرانية قد يعيد ترتيب موازين القوى على المستوى الداخلي والاقليمي، فالقوى السياسية المرتبطة بعلاقات وثيقة مع إيران قد تجد نفسها أمام بيئة إقليمية مختلفة تقل فيها مبررات التعبئة القائمة على مواجهة الولايات المتحدة، بينما قد تسعى واشنطن إلى استثمار أجواء التهدئة لتعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي في العراق، لذلك فإن المرحلة المقبلة قد تشهد تنافساً سياسياً أقل حدة لكنه أكثر تعقيداً داخل مؤسسات الدولة العراقية.

ثانياً: التأثيرات الأمنية.

يُعد البعد الأمني الأكثر حساسية في انعكاسات مذكرة التفاهم على العراق، فالحرب الأمريكية–الإيرانية رفعت مستويات التهديد الأمني بصورة غير مسبوقة، حيث تحولت الأراضي العراقية إلى مسرح للضربات العسكرية المتبادلة والعمليات المرتبطة بالفصائل المسلحة، ومن الواضح فأنه في استمرار الحرب فأنه سيؤدي إلى تقويض الاستقرار الهش الذي تحقق بعد عام 2017.

ومن المتوقع أن تسهم مذكرة التفاهم في تقليص احتمالات استهداف القواعد الأمريكية أو تنفيذ ضربات انتقامية متبادلة، كما أن التهدئة قد تفتح المجال أمام الحكومة العراقية لاستئناف جهودها بحصر السلاح بيد الدولة وتنظيم العلاقة مع الفصائل المسلحة ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية، وأن واشنطن تنظر إلى المرحلة الجديدة بوصفها فرصة للضغط باتجاه إعادة هيكلة الملف الأمني العراقي بصورة أكثر استقراراً.

وفي حال تراجع احتمالات المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران فأن ذلك يخفف من خطر انشغال المؤسسات الأمنية العراقية بالأزمات الإقليمية على حساب مكافحة الفساد وتحقيق التنمية، وهذا الأمر قد يسمح بإعادة توجيه الموارد الأمنية والاستخبارية نحو مواجهة التهديدات الداخلية.

إلا أن المكاسب الأمنية المحتملة تبقى مرتبطة بمدى استدامة مذكرة التفاهم وتحولها الى اتفاق فعلي بعد 60 يوماً، إذ إن المذكرة لا تمثل تسوية نهائية بقدر ما تشكل إطاراً انتقالياً للتهدئة، الأمر الذي يجعلها قابلة لمواجهة تحديات قد تؤثر في استمراريتها مستقبلاً بسبب الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية وآليات تنفيذ الالتزامات المتبادلة، وبالتالي فإن أي انهيار للمفاوضات قد يعيد العراق سريعاً إلى دائرة التصعيد.

ثالثاً: التداعيات الاقتصادية.

اقتصادياً، تكبد العراق خسائر كبيرة خلال الحرب الأمريكية- الإيرانية أثرت سلباً على الاحتياطات النقدية للبنك المركزي العراقي، حيث أدى اغلاق مضيق هرمز من قبل الجانب الإيراني إلى ارتفاع في سوق الطاقة عالمياً، مما رفع مستويات القلق بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما انعكس مباشرة على صادرات النفط العراقية وعلى خطط الاستثمار والتنمية الاقتصادية، وبالرغم من عدم إصدار الحكومة العراقية أو وزارة المالية حتى الآن تقديراً رسمياً موحداً لإجمالي الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه الحرب واقتصرت البيانات الرسمية على مؤشرات قطاعية صادرة عن وزارة النفط والبنك المركزي ووزارة النقل وسلطة الطيران المدني، إلا إن معظم تقديرات الخسائر الإجمالية اعتمدت على دراسات وتحليلات اقتصادية مستقلة استندت إلى تلك البيانات الرسمية، إذ تشير دراسة أجراها مركزChatham House البريطاني بتاريخ 1 نيسان 2026، باستنزاف ما يقارب 15 مليار دولار تقريباً خلال هذه الحرب([1]).

ويُنظر إلى إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف حركة الملاحة وتدفقات الطاقة بصورة طبيعية بأنهما عاملين أساسيين للحد من الاضطرابات التي أصابت سوق الطاقة العالمية خلال فترة الحرب. ولم يتمكن العراق من تحقيق استفادة اقتصادية حقيقية من الارتفاع المؤقت في أسعار النفط، إذ طغت آثار تعطل الصادرات النفطية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والمخاطر الجيوسياسية على أي مكاسب محتملة، كما أن استمرار حالة عدم الاستقرار في الأسواق النفطية فرض تحديات إضافية على الاقتصاد العراقي، نظراً لاعتماده الكبير على الإيرادات النفطية. لذلك، فإن خفض التوترات الإقليمية وتقليل احتمالات اندلاع مواجهات جديدة يشكلان عاملاً حاسماً في دعم قدرة العراق على إدارة موارده المالية ووضع خطط تنموية واستثمارية أكثر استقراراً واستدامة.

كما أن الرفع التدريجي للعقوبات المفروضة على إيران وإعادة دمجها في الاقتصاد الإقليمي قد يسهمان في تحسين البيئة الاقتصادية المحيطة بالعراق، من خلال تقليل القيود المالية والمصرفية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي في المنطقة. وقد ينعكس ذلك إيجاباً على قطاعات الطاقة والكهرباء والنقل والخدمات، فضلاً عن توفير ظروف أكثر ملاءمة لعمل الشركات الحكومية والأهلية في القطاعات النفطية وغير النفطية. وتبرز أهمية هذا الأمر بالنسبة للعراق في ظل استمرار اعتماده بدرجات متفاوتة على واردات الغاز والكهرباء الإيرانية، إذ إن تحسن الأوضاع الاقتصادية في إيران قد يدعم استقرار الإمدادات الموجهة إلى العراق ويحد من احتمالات تعثرها.

من جانب آخر، يمكن أن تستفيد بغداد من تزايد اهتمام المستثمرين الدوليين بالمنطقة بعد انحسار المخاطر الأمنية، فالتقديرات الاقتصادية المرتبطة بمذكرة التفاهم تشير إلى أن التهدئة قد تشجع على تدفقات استثمارية جديدة نحو مشاريع البنية التحتية والطاقة والنقل في دول المنطقة، ومنها العراق، غير أن هذه الفرصة تظل مرتبطة بقدرة الحكومة العراقية على تحسين بيئة الأعمال ومعالجة التحديات المؤسسية والبيروقراطية.

 

 

رابعاً: تعزيز المكانة الإقليمية للعراق.

تفتح مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية المجال أمام العراق لتعزيز حضوره الإقليمي بدلاً من كونه متأثراً بتداعيات الصراع بين القوى الإقليمية والدولية، فقد شهدت بغداد خلال السنوات الماضية نشاطاً دبلوماسياً ملحوظاً تمثل في استضافة الحوارات الإقليمية، بما في ذلك جولات التفاوض السابقة بين إيران وبعض الدول العربية، ومع تراجع حدة المواجهة، قد تسعى الحكومة العراقية إلى استثمار موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة نسبياً مع مختلف الأطراف لتعزيز دورها في صياغة التفاهمات الأمنية والاقتصادية.

وفي الوقت نفسه، فإن نجاح العراق في التحول من ساحة صراع إلى منصة للتعاون يتطلب تعزيز استقلالية القرار الوطني وتقوية مؤسسات الدولة، فمذكرة التفاهم لا تلغي تلقائياً الصراع الأمريكي–الإيراني، بل ينقله إلى مستويات أكثر دبلوماسية واقتصادية، ومن ثم فإن قدرة العراق على الاستفادة من التحولات الجديدة ستظل رهناً بمدى نجاحه في بناء سياسة خارجية متوازنة ومؤسسات أمنية واقتصادية أكثر كفاءة.

خامساً: أثر تعثر مذكرة التفاهم على العراق.

أعادت التطورات الميدانية التي أعقبت توقيع مذكرة التفاهم حالة الترقب إلى المشهد الإقليمي، ولا سيما الضربات التي استهدفت مواقع في جنوب لبنان وردود الفعل الإيرانية اللاحقة، وأثارت تساؤلات بشأن قدرة الأطراف المعنية على الحفاظ على الالتزامات التي نصت عليها المذكرة. وقد رافقت هذه التطورات تحركات دبلوماسية أمريكية وإقليمية هدفت إلى احتواء الموقف ومنع اتساع رقعة المواجهة، إلا أن استمرار مثل هذه الأحداث يبقي احتمالات التصعيد قائمة ويهدد الأمن والسلم الإقليميين. وبالنسبة للعراق، فإن أي تراجع في مستوى التهدئة يضعه أمام تحديات سياسية تتمثل في ازدياد الضغوط على سياسته الخارجية، وأخرى أمنية ترتبط بإمكانية انتقال تداعيات الصراع إلى محيطه، فضلاً عن التحديات الاقتصادية الناجمة عن تأثر حركة الطاقة والتجارة والممرات البحرية، وهو ما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الداخلي وخطط التنمية الاقتصادية.

الخاتمة

تُظهر مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية أن مستقبل العراق بات يرتبط بدرجة كبيرة بقدرته على توظيف التحولات الإقليمية بما يخدم مصالحه الوطنية، بعيداً عن منطق الاستقطاب والصراعات بالوكالة. ورغم ما تتيحه المذكرة من فرص لخفض التوترات وتعزيز الاستقرار السياسي والأمني وتحسين البيئة الاقتصادية، فإن هذه المكاسب تظل مرهونة باستمرار الالتزام بمسار التهدئة وعدم انزلاق المنطقة إلى جولات جديدة من التصعيد. كما أن الخروقات التي أعقبت توقيع المذكرة أكدت أن الاستقرار الإقليمي ما يزال هشاً، وأن أي انتكاسة في مسار التفاهمات قد تنعكس مباشرة على العراق بحكم موقعه الجيوسياسي وتأثره المباشر بالتحولات الإقليمية. ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة تتطلب من صانع القرار العراقي انتهاج سياسة خارجية متوازنة، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتنويع مصادر الدخل، وتطوير القدرات الأمنية والاقتصادية، بما يضمن الحد من التأثر بالأزمات الإقليمية ويعزز قدرة العراق على حماية استقراره ودعم دوره الإقليمي في بيئة تتسم بتغيرات متسارعة. مع مراقبة إمكانية تحول هذه المذكرة الى اتفاقية وما ستحتويه من بنود قد تمس المصالح العراقية.

 

([1]) Iraqi civilians are paying the price of the Iran war, 1, April, 2026.