المتغيرات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على الاستقرار السياسي في العراق: دراسة في إشكالية “السيادة الهشة” بعد العام 2025
أ.د. عبدالأمير عبدالحسن إبراهيم
المستخلص
سعت هذه الورقة البحثية إلى تحليل العلاقة الجدلية بين التحولات الجيوسياسية في البيئتين الإقليمية والدولية وبين واقع الاستقرار في العراق، مع التركيز على إشكالية “السيادة الهشة”. ينطلق البحث من فرضية مؤداها أن القرار الوطني العراقي في عام 2026 لا يزال يمثل استجابة لضغوط خارجية دولية وإقليمية (مالية وأمنية) أكثر من كونه تعبيراً عن إرادة سيادية مستقلة.
خلصت الدراسة إلى أن الاستقرار السياسي في العراق يظل “استقراراً عرضياً” محكوماً بتوازنات المصالح الأمريكية والإيرانية، مما يعيق تحوله إلى فاعل إقليمي مستقل، ويضعه أمام سيناريوهات مفتوحة تتأرجح بين التحصين الاقتصادي والانكشاف الأمني الشامل.
- 1. المقدمة
يعد العراق حجر الزاوية في التوازنات الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط، مما يجعله الدولة الأكثر تأثراً بالمتغيرات الجيوسياسية الدولية والإقليمية. ومع حلول عام 2026، برزت الحاجة الملحة لفهم كيف تحولت “المتغيرات الخارجية” من عوامل ضغط إلى محركات فعلية لرسم السياسات العامة للدولة.
تبرز أهمية البحث في تشخيص التحولات العميقة التي طرأت على علاقة العراق بمحيطه في ظل إدارة أمريكية وتوازنات إقليمية جديدة، مما يساعد في فهم آليات الارتهان الخارجي وسبل فكها.
وتتبلور إشكالية الورقة البحثية في الفجوة العميقة بين طموح العراق في ممارسة دور الجولة التي تمتلك المكانة الإقليمية “الوسيط” الإقليمي، وبين واقع “السيادة الهشة” الذي يجعله ساحة صراع المصالح الدولية.
ومن أجل فهم إشكالية السيادة، تضع الورقة البحثية هدفاً أولاً يتمثل في تشخيص آليات الارتهان المالي والسياسي الأمريكي، وهدفاً ثانياً يحلل تغلغل الأجندات الإقليمية في الهوية الأمنية، وصولاً إلى الهدف النهائي وهو رسم سيناريوهات استعادة القرار السيادي.
وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن “استقرار العراق هو متغير تابع لتوافقات القوى الخارجية وليس نتيجة لقوة المؤسسات الداخلية”. ولتحليل هذه الفرضية، اعتمدت الدراسة على المنهج الواقعي مع استخدام أدوات التحليل الاستشرافي.
وقد تم تقسيم هيكلية البحث إلى ثلاثة فروع؛ يتناول الفرع الأول المتغير الدولي، والثاني المتغير الإقليمي، قيما يستعرض الفرع الثالث الآثار الشاملة والمشاهد المستقبلية.
- 2. الفرع الأول: المتغير الدولي وأدوات الضبط والسيطرة (الولايات المتحدة نموذجاً)
ينطلق هذا الفرع من فرضية مفادها أن النفوذ الدولي في العراق، وتحديداً النفوذ الأمريكي، قد شهد تحولاً نوعياً في أدواته وأساليبه بحلول عام 2026. فبعد عقود من الوجود العسكري المباشر، انتقلت الولايات المتحدة نحو تبني استراتيجيات “القوة الذكية” التي تركز على التحكم في المفاصل الحيوية للدولة (المال والشرعية السياسية). تكمن أهمية هذا التناول في تفكيك آليات التدخل وكيفية تحوله إلى قيد بنيوي يمنع الدولة من رسم مسارات سيادية مستقلة، وذلك عبر تحليل أدوات “الامتثال المالي” و”المقبولية السياسية” في شغل المراكز السيادية كمتغيرات دولية حاكمة في المشهد الداخلي.
ينطلق التحليل من حقيقة أن النفوذ الأمريكي في العراق قد انتقل من مرحلة “الهيمنة العسكرية” إلى مرحلة “الإدارة التقنية والمالية والسياسية” (Savaya, 2026). ففي مطلع عام 2026، برز “الأثر السياسي” للتدخل الأمريكي جلياً في ملف تشكيل الحكومة الجديدة؛ حيث مارست واشنطن ضغوطاً لضمان عدم وصول شخصيات راديكالية إلى الوزارات السيادية، مما جعل تشكيل السلطة خاضعاً لمعايير “المقبولية الدولية” لا الاستحقاق الانتخابي المحلي وحده (عوض، 2025).
أما “الأثر الاقتصادي”، فقد تجسد في استخدام الخزانة الأمريكية لسلاح “الامتثال المالي”؛ إذ أدى التحكم في تدفقات الدولار عبر البنك الفيدرالي إلى جعل الاستقرار النقدي في العراق أداة لضبط السلوك السياسي للدولة. هذا الارتهان المالي والسياسي يثبت أن السيادة العراقية تظل سيادة “مشروطة” بمدى الامتثال للمنظومة العالمية التي تقودها الولايات المتحدة، مما يضعف قدرة الدولة على رسم مسار وطني مستقل بعيداً عن صراعات المحاور (International Crisis Group, 2026).
تأسيساً على ما تقدم، يمكن القول إن المتغير الدولي لم يعد عاملاً خارجياً مؤثراً فحسب، بل صار جزءاً عضوياً من آلية اتخاذ القرار في بغداد. لقد أثبت التحليل أن السيطرة على “منصة الدولار” والتحكم في شرعية النخبة الحاكمة دولياً هما أقوى أدوات الضبط التي تمارسها الولايات المتحدة لضمان بقاء العراق ضمن فلك مصالحها الاستراتيجية.
إن ارتهان استقرار العملة الوطنية بمدى الامتثال للخارج يفرغ مفهوم السيادة السياسية من محتواه، وهو ما يمهد الطريق لفهم كيفية تقاطع الضغوط الدولية مع التدخلات الإقليمية التي سيتم تناولها في الفرع التالي من الورقة البحثية.
- 3. الفرع الثاني: المتغير الإقليمي وانعكاساته على الهوية الأمنية للعراق
يتناول الفرع نوع آخر من التحديات السيادية، وهو “التمدد الإقليمي” وأثره في عسكرة الجغرافية العراقية، إذ ينطلق بالتحليل من فرضية أن العراق، بحكم موقعه الجيوسياسي، قد تحول إلى “ساحة اشتباك دائم” لتصفية الحسابات بين المحاور المتصارعة.
لقد كشفت حالة التداخل العضوي بين الصراعات الإقليمية وبين “تعدد الهويات الأمنية” في الداخل العراقي، كيف أدى هذا التداخل إلى تآكل مفهوم الدولة الوطنية لصالح مشاريع عابرة للحدود.
ويمثل الصراع الإيراني- الأمريكي- الإسرائيلي المتغير الإقليمي الأكثر تهديداً لوحدة القرار الأمني الوطني. فقد أثبتت أحداث عام 2025 وما تلاها أن الجغرافية العراقية ينظر إليها بوصفها “فراغ استراتيجي” للصواريخ والمسيرات المتبادلة، وهو ما كشف عن هشاشة “السيادة الجوية” وتعرضها للانتهاك المتواصل من قبل أطراف الصراع الإقليمي (مركز البيان، 2025).
إن هذا الانكشاف الأمني قد أدى إلى “عسكرة السياسة”، إذ تجد الفواعل الموازية في هذه التوترات غطاءً للتحرك خارج سلطة الدولة، وهو ما يضرب ركن “احتكار العنف” الذي هو جوهر سيادة الدولة الوطنية (الزبيدي، 2025).
علاوة على ذلك، يواجه العراق تحدي “تعدد الولاءات”؛ فبينما تحاول الحكومة الانفتاح على المحيط العربي عبر مشاريع مثل “طريق التنمية”، تبرز عوائق داخلية ناتجة عن فيتوهات إقليمية تخشى من تغير خارطة النقل والطاقة الدولية (علاوي، 2026).
ويثبت هذا التداخل أن الهوية الأمنية والسياسية للعراق مشتتة بين التزاماته الرسمية وضغوط جيرانه، مما يحول دور “الوساطة” إلى مجرد محاولة لتقليل الأضرار الجانبية للصراعات المحيطة.
إن المتغير الإقليمي في العراق يعمل كقوة “طاردة” للاستقرار المركزي؛ فكلما تصاعد التوتر بين القوى الإقليمية، تلاشت قدرة الدولة على احتكار السلاح أو حماية حدودها، وأن تغلغل الأجندات الإقليمية داخل الهيكل السياسي والعسكري للجولة قد أوجد حالة من “السيادة المجزأة” التي تمنع العراق من تبني سياسة خارجية مستقلة.
- 4. الفرع الثالث: الآثار السياسية والأمنية والمشاهد المستقبلية
ينطلق هذا الفرع من تساؤل جوهري مفاد: ما هي الآثار الملموسة لحالة “الارتهان المزدوج” على مستقبل الاستقرار السياسي والأمني في العراق؟ بالانتقال من مرحلة “التشخيص” إلى مرحلة “الاستشراف”، عبر تحليل ظواهر “الانكشاف الاستراتيجي” و”الأمن المجزأ”، وصولاً إلى رسم سيناريوهات مستقبلية تعبر عن ملامح تشكل السيادة في ظل بيئة دولية شديدة الاضطراب.
أنتجت التفاعلات الدولية والإقليمية واقعاً يتسم بـ “الانكشاف الاستراتيجي“. فسياسياً، تسببت هذه الضغوط في ترسيخ “الديمقراطية المرتهنة”، حيث يتم رهن التوافقات الوطنية بمدى مواءمتها للأجندات الخارجية (الساعدي، 2026). وأمنياً، أفرزت واقعاً يسمى بـ “الأمن المجزأ”، حيث تتواجد هويات عسكرية متعددة داخل الدولة الواحدة، مما يجعل السلم الأهلي رهينة لهدنة المحاور الكبرى (International Crisis Group, 2026).
المشاهد المستقبلية: بناءً على التحليل الاستشرافي، تبرز ثلاثة مسارات محتملة:
- سيناريو “السيادة التدريجية“: نجاح العراق في جعل نفسه “ضرورة اقتصادية” عالمية عبر مشروع طريق التنمية، مما يمنحه حصانة دولية ناعمة (علاوي، 2026).
- سيناريو “الاستقرار الهش“: وهو بقاء الوضع على ما هو عليه؛ عراق يدير أزماته دون حلها، مرتهناً ربط عوائد إيراداته النفطية بالدولار الأمريكي وتجهيز محطات توليد الطاقة يالغاز الإقليمي (الزبيدي، 2025).
- سيناريو “الانكشاف الشامل“: وقوع صدام إقليمي مباشر يؤدي إلى تحلل المؤسسات السيادية وتحويل البلاد إلى ساحة حرب مفتوحة (Savaya, 2026).
- 5. الخاتمة
يخلص البحث إلى وجود ترابط عضوي بين فشل الأهداف الوطنية وهشاشة السيادة أمام المتغيرات الخارجية. إن السيادة في العراق ليست مجرد نص دستوري، بل هي ممارسة واقعية تفتقدها الدولة في ظل تعدد مراكز القرار. توصي الدراسة بضرورة “تأميم القرار الأمني والمالي” كمدخل وحيد لتحويل العراق من ساحة صراع إلى دولة وطنية مستقرة قادرة على حماية مصالحها العليا.
خلصت الورقة البحثية إلى جملة من النتائج، أبرزها:
- ارتهان السيادة المالية: ثبت أن السيادة العراقية معطلة في جانبها المالي؛ إذ يتحكم الفاعل الدولي (واشنطن) في استقرار العملة الوطنية عبر أدوات الامتثال، مما يجعل الاقتصاد أداة ضغط سياسي.
- تعدد الهويات الأمنية: أدى المتغير الإقليمي إلى نشوء “قوى أمنية موازية” تمتلك شرعية مستمدة من الخارج، مما أضعف قدرة الدولة على فرض احتكارها القانوني امتلاك وسائل القوة.
- المكانة الإقليمية: أثبت التحليل أن العراق لا يمتلك حالياً مقومات “الدولة الوسيطة”؛ لأن أطراف الصراع لا تزال لا تنظر إليه لاعب إقليمي مستقل.
- صراع المسارات: أثبتت أحداث حرب الأربعون يوماً عام 2026، أهمية البحث عن مسارات تصدير للنفط خيارات بديلة عن مضيق هرمز.
قائمة المصادر
- الزبيدي، ليث. (2025). مستقبل الدولة الوطنية في ظل التدخلات الإقليمية: العراق نموذجاً. دار الرافدين.
- الساعدي، سعد عزت. (2026). إشكالية السيادة في النظم السياسية الهشة. مجلة العلوم السياسية، جامعة بغداد.
- علاوي، محمد توفيق. (2026). آفاق الاقتصاد العراقي: القناة الجافة وطريق الحرير. منشورات المركز الثقافي.
- عوض، ناظم. (2025). السيادة التائهة: العراق في ظل التنافس الأمريكي الصيني. الدار العربية للعلوم.
- مركز البيان للدراسات والتخطيط. (2025). التقرير السنوي: العراق وصراعات الشرق الأوسط.
- International Crisis Group. (2026). Iraq: Steering Between Escalation and Stability. Brussels.
- Savaya, M. (2026). Strategic Imbalance: Iraq and the Global Order. International Institute for Strategic Studies (IISS
