الموازنة العامة والتنمية في العراق

الدكتور عبد الخالق جواد. علوم سياسية

الموازنة العامة والتنمية في العراق

الدكتور عبد الخالق جواد. علوم سياسية

الملخص

تشكل الموازنة العامة الركيزة الأساسية لإدارة الموارد المالية وتوجيهها نحو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويؤثر انتظام إقرارها بصورة مباشرة في قدرة الدولة على تنفيذ مشاريعها الاستثمارية وتطوير الخدمات العامة. ويشهد العراق تحديات متكررة في إقرار الموازنات نتيجة تداخل العوامل السياسية والاقتصادية والإدارية، وهو ما انعكس على كفاءة الإنفاق العام واستمرار تنفيذ الخطط التنموية. كما برزت أهمية تعزيز الحوكّمة المالية، والحدّ من الفساد، واعتماد موازنة البرامج والأداء بوصفها إطاراً يسهم في رفع كفاءة إدارة الموارد العامة وتحسين فاعلية الإنفاق الحكومي ودعم مسارات التنمية المستدامة.

المقدمة

تمثل الموازنة العامة الأداة المالية الرئيسة التي تعتمدها الدولة لترجمة أهدافها الاقتصادية والاجتماعية إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ، إذ تحدد أولويات الإنفاق وتوزيع الموارد بما ينسجم مع الخطط التنموية. ولا تقتصر أهميتها على تنظيم الإيرادات والنفقات، بل تعد وسيلة لضمان الاستقرار المالي وتحقيق التنمية وتعزيز كفاءة الإدارة العامة. لذلك فإن انتظام إقرار الموازنة يعكس قدرة مؤسسات الدولة على التخطيط السليم، في حين يؤدي تعطيلها أو تأخرها إلى إرباك الأداء الحكومي وإضعاف تنفيذ المشاريع الاستثمارية والخدمية.

وقد واجه العراق خلال السنوات 2022-2026 تحدّيات في إقرار الموازنات العامة نتيجة تداخل العوامل السياسية والاقتصادية، فضلاً عن استمرار الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، وهو ما جعل السياسة النقدية أكثر تأثراً بالتقلبات الداخلية والخارجية. وأدى هذا الواقع إلى تباطؤ تنفيذ الخطط التنموية، وتأجيل العديد من المشاريع، وارتفاع كلفها.

وتزامنت هذه التحديات مع استمرار الكشف عن قضايا فساد مالي كبيرة شملت الاستيلاء على مبالغ عامة وإحالة عدد من الشخصيات إلى القضاء بحسب بيان هيئة النزاهة، الأمر الذي أبرز حجم الاختلالات التي تعانيها منظومة إدارة المال العام، وأثرها المباشر في تعطيل التنمية وتقويض ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تطوير الإدارة المالية في العراق من خلال تبني موازنة البرامج والأداء التي تربط الإنفاق الحكومي بالأهداف والنتائج، وتسهم في رفع كفاءة استخدام الموارد وتعزيز الشفافية والمساءلة.

أولاً: الموازنة العامة والتنمية.. علاقة تكاملية.

تعد الموازنة العامة إحدى أهم أدوات السياسة المالية، إذ تمكن الدولة من توجيه مواردها نحو القطاعات التي تحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن خلالها تمول مشاريع البنية التحتية، والتعليم، والصحة، والإسكان، والطاقة، والنقل، وغيرها من القطاعات التي تمثل الأساس في تحسين مستوى المعيشة ورفع معدلات النمو.

وتزداد أهمية الموازنة في العراق بسبب الطبيعة الريعية للاقتصاد، إذ يعتمد الإنفاق العام بصورة رئيسة على الإيرادات النفطية. لذلك فإن أي تأخير في إقرارها ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في تنفيذ برامجها، ويؤدي إلى تعطيل المشاريع الاستثمارية وتقليص فرص العمل وإبطاء النشاط الاقتصادي، كما أن الموازنة الحديثة لم تعد تقاس بحجم الإنفاق فقط، بل بقدرتها على تحقيق نتائج تنموية ملموسة، الأمر الذي يفرض ربط الموارد بالأهداف ومتابعة كفاءة تنفيذها، بما يضمن الاستخدام الأمثل للمال العام.

ثانياً: أسباب تعطيل الموازنات العامة في العراق.

ترتبط ظاهرة تعطيل الموازنات العامة في العراق بجملة من العوامل السياسية والمؤسسية والاقتصادية. ففي الجانب السياسي، غالباً ما تتحول الموازنة إلى محور للخلاف بين القوى السياسية بسبب التباين في أولويات الإنفاق وتوزيع التخصيصات، مما يؤدي إلى تأخر إقرارها أو تعديلها بصورة متكررة، أما من الناحية الاقتصادية، فإن الاعتماد المفرط على النفط يجعل تقديرات الإيرادات مرتبطة بتقلبات الأسعار العالمية، وهو ما يدفع الحكومة أحياناً إلى إعادة احتساب الإيرادات والنفقات بما يؤخر إكمال الإجراءات التشريعية الخاصة بالموازنة. ولعل ما حدث بعد الحرب الإيرانية- الامريكية في 18 شباط 2026، وإغلاق مضيق هرمز خير دليلٍ على ذلك.

وتتمثل إحدى المشكلات الأخرى في ارتفاع النفقات التشغيلية مقارنة بالنفقات الاستثمارية، إذ تستحوذ الرواتب والدعم والنفقات الجارية على الجزء الأكبر من الإنفاق العام، مما يحد من قدرة الدولة على تمويل المشاريع التنموية، ويجعل الاستثمار الحكومي أكثر عرضة للتأجيل عند حدوث أي أزمة مالية أو سياسية.

كما يسهم ضعف التخطيط المالي وتواضع التنسيق بين المؤسسات الحكومية في إبطاء إعداد الموازنة، فضلاً عن غياب إطار مالي متوسط الأجل يضمن استقرار السياسة المالية واستمرار تنفيذ المشاريع بعيداً عن التقلبات السنوية.

ثالثاً: تعطّل الموازنات على التنمية في العراق.

يؤدي تعطّل الموازنات العامة إلى آثار اقتصادية مباشرة، في مقدمتها توقف أو تأجيل المشاريع الاستثمارية، الأمر الذي ينعكس على معدلات النمو الاقتصادي ويحد من قدرة الدولة على تحسين البنية التحتية. كما ترتفع كلفة المشاريع نتيجة تأخر تنفيذها، فضلاً عن تراجع ثقة المستثمرين باستقرار البيئة الاقتصادية، وهو ما يقلل من تدفق الاستثمارات المحلية والأجنبية، ولا تقتصر الآثار على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى الجوانب الاجتماعية، إذ يؤثر تأخر الموازنة في تنفيذ مشاريع التعليم والصحة والإسكان والخدمات البلدية، ويؤخر إنشاء المدارس والمستشفيات وشبكات الماء والكهرباء والطرق، الأمر الذي يزيد من الضغوط الواقعة على الخدمات العامة ويؤثر في مستوى معيشة المواطنين.

كذلك يؤدي تعطيل المشاريع الحكومية إلى تقليص فرص العمل، لأن قطاعاً واسعاً من النشاط الاقتصادي في العراق يرتبط بالإنفاق الحكومي، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مما يجعل تأخر الموازنة عاملاً مؤثراً في ارتفاع البطالة وتراجع النشاط الإنتاجي.

وعلى الصعيد السياسي، يؤدي تأخر إقرار الموازنة نتيجة الصراعات السياسية والانسداد السياسي وتعطل تشكيل الحكومة إلى إضعاف قدرة المؤسسات الحكومية على تنفيذ برامجها وفق خطط زمنية واضحة، كما يحد من فاعلية التخطيط الاستراتيجي، لأن الوزارات تصبح معنية بإدارة الاحتياجات الآنية بدلاً من تنفيذ البرامج التنموية طويلة الأمد. كذلك تنعكس الخلافات المتكررة بشأن الموازنة على العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتضعف ثقة المواطنين بقدرة الدولة على إدارة مواردها بكفاءة.

ولا يقل تأثير ذلك على التنمية أهمية عن الآثار الاقتصادية، لأن غياب الاستقرار المالي يحد من قدرة الدولة على تحقيق أهدافها في تحسين الخدمات العامة وتنويع الاقتصاد، ويؤخر تنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي يحتاجها الاقتصاد العراقي للخروج من الاعتماد شبه الكامل على الإيرادات النفطية.

رابعاً: الفساد المالي وأثره في تعطّل التنمية.

يشكل الفساد المالي أهم التحديات التي تواجه التنمية في العراق، إذ تتداخل آثاره مع مشكلة تعطيل الموازنات العامة، فضعف الإدارة المالية وتأخر إقرار الموازنات يخلقان بيئة أكثر عرضة للهدر وسوء استغلال الموارد، في حين يؤدي الفساد إلى تقليل كفاءة الإنفاق العام وإضعاف قدرة الدولة على تحقيق أهدافها التنموية.

وقد كشفت الجهات القضائية والرقابية في إطار جهود مكافحة الفساد لعام 2026، عن عدد من قضايا الفساد التي تضمنت الاستيلاء على مبالغ مالية كبيرة، تمثلت في اختلاس وتمرير أموال عامة وخاصة ذات مبالغ طائلة، فضلاً عن حيازة أصول عقارية وممتلكات فارهة ومقتنيات ثمينة من المعادن النفيسة بطرق غير مشروعة، وهو ما يؤكد استمرار وجود اختلالات في إدارة المال العام، رغم تنامي الإجراءات الحكومية الرامية إلى مكافحة الفساد وتعزيز الرقابة التي تصر عليها حكومة الزيدي.

ولا تقتصر خطورة هذه القضايا على قيمة الأموال المهدورة، بل تتمثل في ضياع فرص تنموية كان من الممكن توظيفها في تطوير البنى التحتية وتحسين الخدمات العامة ودعم القطاعات الإنتاجية. كما يؤدي الفساد إلى تشويه أولويات الإنفاق، إذ قد توجه الموارد إلى مشاريع محدودة الجدوى الاقتصادية بدلاً من المشروعات التي تلبي الاحتياجات الفعلية للمجتمع.

فضلاً عن ذلك، فإن انتشار الفساد يضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، ويؤثر في البيئة الاستثمارية، لأن المستثمرين يبحثون عن بيئة تتسم بالشفافية واستقرار القواعد المالية والقانونية. ومن ثم فإن مكافحة الفساد تعد شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية، ولا تنفصل عن إصلاح منظومة إعداد وتنفيذ الموازنات العامة. وكذلك ضرورة تنويع مصادر الدخل القومي لتقليل آثار الاقتصاد الريعي.

خامساً: موازنة البرامج والأداء كمدخل للإصلاح المالي.

يمثل التحول نحو موازنة البرامج والأداء أحد أهم الاتجاهات الحديثة في الإدارة المالية العامة، لأنها تربط بين الاعتمادات المالية والنتائج المستهدفة، بخلاف موازنة البنود التي تركز على توزيع النفقات دون قياس أثرها التنموي. ولذلك فإن المصطلح العلمي الصحيح هو موازنة البرامج والأداء، وليس “موازنة العقود”، لأن الأخيرة ليست تصنيفاً معتمداً في أدبيات المالية العامة.

ويتيح هذا النموذج تقييم أداء المؤسسات الحكومية من خلال مؤشرات واضحة، وربط التمويل بمستوى الإنجاز، الأمر الذي يعزز الشفافية ويرفع كفاءة الإنفاق العام ويحد من الهدر المالي. كما يساعد في توجيه الموارد نحو البرامج ذات الأولوية، ويمنح صانع القرار أدوات أفضل لتقييم السياسات العامة وتصحيح مسارها، غير أن نجاح هذا التحول في العراق يتطلب تحديث النظم المحاسبية، وتطوير قواعد البيانات، وتأهيل الكوادر المتخصصة، وتعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية، فضلاً عن توفير إرادة سياسية قوية وجريئة تضع الإصلاح المالي ضمن أولويات الدولة، بعيداً عن التجاذبات السياسية.

 

 

الخاتمة.

أن تعطيل الموازنات العامة يمثل أحد العوامل المؤثرة في اعاقة التنمية في العراق، وعدم تنفيذ المشاريع الاستثمارية، وإضعاف قدرة الدولة على التخطيط وتحسين الخدمات العامة. كما أن استمرار الخلافات السياسية بشأن الموازنة يحد من استقرار السياسة المالية ويؤثر في ثقة المواطنين والمستثمرين بالمؤسسات الحكومية.

وتوضّح الورقة أن تزامن تأخر الموازنات مع استمرار الكشف عن قضايا فساد مالية كبيرة يؤكد الحاجة إلى إصلاح شامل لمنظومة الإدارة المالية، يقوم على تعزيز الشفافية والمساءلة، وتفعيل الرقابة، وحماية المال العام، بما يضمن توجيه الموارد نحو تحقيق التنمية.

وفي هذا السياق، يمثل اعتماد موازنة البرامج والأداء خطوة مهمة لتطوير الإدارة المالية في العراق، لأنها تربط الإنفاق بالأهداف والنتائج، وترفع كفاءة استخدام الموارد، وتدعم التخطيط الاستراتيجي. ومن ثم فإن نجاح الإصلاح المالي لا يرتبط بزيادة الإيرادات العامة فحسب، وإنما بقدرة الدولة على إدارة مواردها بكفاءة، وإبعاد الموازنة عن التجاذبات السياسية، وترسيخ مؤسسات قادرة على تحقيق التنمية المستدامة وخدمة المصلحة العامة.