المقدمة :
تأتي زيارة وزير الخارجية السوري إلى تركيا في مرحلة تشهد تحولات متسارعة في البيئة الإقليمية، إذ تتجه العديد من دول المنطقة إلى إعادة صياغة علاقاتها الخارجية بما يتلاءم مع المتغيرات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي أفرزتها السنوات الأخيرة وفي هذا السياق، تكتسب الزيارة أهمية خاصة بوصفها مؤشرًا على استمرار مسار التقارب السوري–التركي، بعد سنوات من القطيعة والتوتر اللذين طغيا على العلاقات الثنائية منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، بما يعكس إدراكًا متبادلًا لأهمية الحوار والتنسيق في التعامل مع القضايا ذات الاهتمام المشترك.
ولا تقتصر أهمية الزيارة على إطار العلاقات الثنائية بين سوريا وتركيا، بل تمتد لتشمل أبعادًا إقليمية أوسع، في ظل تداخل ملفات الأمن الحدودي، ومكافحة التنظيمات الإرهابية، ومستقبل مناطق شمال سوريا، وملف اللاجئين، فضلًا عن التنافس بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ في الساحة السورية ومن ثم، فإن نتائج هذه الزيارة قد تسهم في إعادة تشكيل جزء من التوازنات الإقليمية، بما ينعكس على طبيعة العلاقات بين دول الجوار وأدوار الفاعلين الإقليميين، كما تسعى هذه الورقة التحليلية إلى استعراض أهداف زيارة وزير الخارجية السوري إلى تركيا، وتحليل دوافعها ومقاصدها السياسية والاستراتيجية، فضلًا عن تقييم انعكاساتها المحتملة على العراق في ضوء المتغيرات الإقليمية الراهنة.
أولًا: دوافع وأهداف الزيارة
شكّلت زيارة وزير الخارجية السوري إلى تركيا خطوةً تعكس استمرار مسار الانفتاح السياسي بين دمشق وأنقرة، في إطار الجهود الرامية إلى تجاوز مرحلة القطيعة وإعادة بناء العلاقات الثنائية على أسس أكثر استقرارًا ويظهر من مجريات الزيارة أن الطرفين يسعيان إلى إضفاء طابع مؤسسي على هذا التقارب من خلال الاتفاق على إنشاء مجلس التنسيق الأعلى السوري–التركي، بما يتيح تطوير آليات التشاور والتنسيق في مختلف الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، ويعزز من فرص الانتقال بالعلاقة من مرحلة إدارة الخلافات إلى مرحلة بناء الشراكة.
كما حملت الزيارة رسائل سياسية تتجاوز الإطار الثنائي، إذ سعت دمشق إلى تأكيد التزامها بمبدأ سيادة الدولة ووحدة الأراضي السورية، وإبراز توجهها نحو تعزيز علاقاتها مع دول الجوار على أساس احترام المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وفي السياق ذاته، عكست تصريحات وزير الخارجية السوري بشأن أهمية استقرار دول الخليج ورفض استهدافها محاولةً لإظهار انفتاح السياسة الخارجية السورية على محيطها العربي والإقليمي، بما يعزز فرص اندماج سوريا في الترتيبات الإقليمية الجديدة.
حيث احتلت الاعتبارات الأمنية موقعًا محوريًا في الزيارة، بالنظر إلى استمرار التحديات المرتبطة بأمن الحدود المشتركة وانتشار الجماعات المسلحة في شمال سوريا وانطلاقًا من ذلك، ركز الجانبان على أهمية تعزيز التنسيق الأمني باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لاستقرار العلاقات الثنائية، ولا سيما في ظل إدراكهما أن استمرار التهديدات الأمنية ينعكس بصورة مباشرة على الأمن القومي لكلا البلدين.
وفي هذا الإطار، أكدت دمشق أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل أولوية استراتيجية لإعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ سيادتها، معتبرةً أن إنهاء وجود التشكيلات المسلحة خارج الإطار القانوني يشكل شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار الداخلي كما أشارت إلى أنها تعمل على تعزيز قدراتها الأمنية والعسكرية على امتداد الحدود، بالتوازي مع توسيع مستوى التنسيق مع دول الجوار، بما يسهم في الحد من التهديدات العابرة للحدود ويمنع استغلال المناطق الحدودية من قبل الجماعات المسلحة.
إلى جانب الأبعاد السياسية والأمنية، عكست الزيارة اهتمامًا واضحًا بإعادة تنشيط التعاون الاقتصادي بين البلدين، من خلال الدفع نحو تنفيذ مشاريع استراتيجية من شأنها تعزيز الترابط الاقتصادي والإقليمي وفي هذا السياق، ناقش الجانبان تسريع تفعيل لجنة البحار الأربعة، إلى جانب مشروع الربط السككي، باعتبارهما من المشاريع القادرة على تنشيط حركة التجارة والنقل ورفع مستوى التكامل الاقتصادي بين سوريا وتركيا وربطهما بمحيطهما الإقليمي.
ويعكس هذا التوجه إدراكًا متبادلًا لأهمية البعد الاقتصادي في دعم مسار التقارب السياسي، إذ إن توسيع مجالات التعاون الاقتصادي وتطوير البنى التحتية المشتركة يسهمان في خلق مصالح متبادلة تقلل من احتمالات التوتر مستقبلاً، فضلًا عن توفير بيئة أكثر ملاءمة لمرحلة إعادة الإعمار واستقطاب الاستثمارات الإقليمية.
كما برز ملف مكافحة الإرهاب وضبط الحدود بوصفه أحد أبرز محاور الزيارة، في ظل استمرار التحديات الأمنية التي تواجهها سوريا وتركيا على حد سواء فقد أكدت دمشق أن بناء دولة موحدة خالية من التنظيمات الإرهابية والتشكيلات المسلحة يمثل الضمانة الأساسية لحماية الحدود المشتركة، وأن مواجهة هذه التهديدات تتطلب تنسيقًا أمنيًا واستخباراتيًا مستمرًا بين البلدين.
وتكشف هذه التصريحات عن وجود إدراك مشترك بأن أمن الحدود لم يعد يقتصر على منع التسلل أو التهريب، وإنما أصبح مرتبطًا بمكافحة الجماعات المسلحة العابرة للحدود، والحد من تحركاتها، ومنع استخدامها أراضي دول الجوار كمنصات للعمليات العسكرية كما يعكس التركيز على هذا الملف رغبة دمشق وأنقرة في بناء منظومة أمنية مشتركة تستند إلى تبادل المعلومات والتنسيق الميداني، بما يعزز الاستقرار في المناطق الحدودية ويحد من المخاطر التي تهدد الأمن الإقليمي.
وتأتي هذه الزيارة في سياق التحولات التي تشهدها البيئة الإقليمية، والتي تتجه نحو إعادة ترتيب موازين القوى وبناء أنماط جديدة من التعاون بين دول المنطقة، وفي هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى التقارب السوري–التركي بوصفه تطورًا ثنائيًا فحسب، بل باعتباره جزءًا من مسار إقليمي أوسع يسعى إلى تغليب الاعتبارات الأمنية والاقتصادية على حساب الخلافات السياسية. ومن ثم، فإن نجاح هذا المسار من شأنه أن يسهم في إعادة تشكيل التفاعلات الإقليمية، وأن ينعكس على ملفات أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، والتعاون الاقتصادي، بما يفتح المجال أمام ترتيبات إقليمية جديدة سيكون العراق أحد أبرز الأطراف المتأثرة بها.
ثانياً: الرسائل والمقاصد من الزيارة
تشير مجريات الزيارة إلى أن أحد أهدافها الرئيسة تمثل في إيصال رسائل غير مباشرة إلى الولايات المتحدة، لاسيما فيما يتعلق بمستقبل شمال شرق سوريا وملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فقد جاءت الزيارة بعد يوم واحد من اجتماع الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مع قيادة قوات سوريا الديمقراطية في دمشق، في إطار الجهود الرامية إلى دمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية وفي هذا السياق، صرّح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بأن الحكومة تعمل على معالجة قضية السلاح خارج إطار الدولة ومكافحة الإرهاب، في حين أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن جميع العناصر المسلحة في سوريا ينبغي أن تلقي سلاحها، مشددًا على استمرار التعاون مع دمشق في مجالي الدفاع ومكافحة الإرهاب وتعكس هذه التصريحات توافقًا سوريًا–تركيًا على إعادة بسط سلطة الدولة السورية على كامل أراضيها، وهو ما يحمل رسالة إلى واشنطن بأن استمرار دعمها للتشكيلات المسلحة لم يعد يتوافق مع المتغيرات السياسية التي تشهدها سوريا، في ظل تصاعد المطالب الإقليمية بإعادة هيكلة المشهد الأمني على أساس مؤسسات الدولة.
وحملت الزيارة أيضًا رسائل ذات دلالات تجاه إيران، وإن جاءت بصيغة غير مباشرة فقد شدد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني على أن استقرار دول الخليج يمثل ركيزة أساسية للأمن الإقليمي، مع إدانته للهجمات التي تستهدفها، وهو ما يعكس توجهًا سوريًا لإظهار سياسة خارجية أكثر توازنًا وانفتاحًا على محيطها العربي كما أن تأكيد دمشق على حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء وجود التشكيلات المسلحة خارج المؤسسات الرسمية يحمل دلالات تتجاوز الداخل السوري، في ظل ارتباط هذا الملف بالنفوذ الذي تمارسه بعض القوى الإقليمية عبر الفاعلين المسلحين ومن ثم، يمكن تفسير هذه الرسائل على أنها محاولة سورية لإبراز استقلالية القرار الوطني، وإعادة تعريف أولوياتها الأمنية بما ينسجم مع متطلبات استقرار الدولة وعلاقاتها الإقليمية
وكذلك برزت إسرائيل بوصفها أحد الأطراف التي استهدفتها الرسائل السياسية الصادرة عن الزيارة، إذ أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، داعيًا إلى العودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، ومطالبًا المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته في هذا الشأن ومن جانبه، اعتبر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الهجمات الإسرائيلية تمثل أحد أبرز التهديدات لاستقرار سوريا، داعيًا المجتمع الدولي إلى ممارسة ضغوط على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية ويعكس هذا التوافق السوري–التركي سعي الطرفين إلى إظهار موقف سياسي موحد تجاه التحركات الإسرائيلية في سوريا، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن استمرار هذه الهجمات لا يهدد الأمن السوري فحسب، وإنما ينعكس سلبًا على الاستقرار الإقليمي بأكمله.
اذ تحمل هذه التحركات دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية، إذ تشير إلى بروز ترتيبات إقليمية جديدة قد تؤثر في موازين القوى القائمة، سواء فيما يتعلق بمستقبل الوجود الأمريكي في شمال شرق سوريا، أو النفوذ الإيراني، أو التنافس مع إسرائيل، الأمر الذي يجعل من التقارب السوري–التركي أحد المؤشرات البارزة على إعادة رسم المشهد الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.
ثالثًا: انعكاسات الزيارة على العراق
من المتوقع أن تنعكس مخرجات الزيارة على الواقع الأمني العراقي، ولا سيما في ظل الترابط الجغرافي بين العراق وسوريا، وتشابك التحديات الأمنية على امتداد الحدود المشتركة فتعزيز التنسيق السوري–التركي في مجال مكافحة الإرهاب وضبط الحدود قد يسهم في الحد من تحركات تنظيم داعش وخطوط إمداده بين البلدين، فضلًا عن تضييق المساحات التي تستغلها الجماعات المسلحة العابرة للحدود وفي المقابل، قد يفرض هذا التنسيق تحديات جديدة على بعض الفصائل المسلحة التي تعتمد على الحدود السورية في الحركة أو الدعم اللوجستي، الأمر الذي قد يدفع العراق إلى تعزيز التنسيق الأمني مع كل من دمشق وأنقرة للحفاظ على استقرار حدوده الغربية.
على الصعيد السياسي، قد يوفر التقارب السوري–التركي فرصة للعراق لتعزيز دوره بوصفه طرفًا إقليميًا يسعى إلى تحقيق التوازن في علاقاته مع دول الجوار فمن شأن تراجع حدة التوتر بين دمشق وأنقرة أن يخفف من الضغوط التي واجهتها بغداد خلال السنوات الماضية في إدارة علاقاتها مع الطرفين، كما قد يفتح المجال أمام تنسيق سياسي أكبر بشأن القضايا الأمنية والاقتصادية ذات الاهتمام المشترك وفي المقابل، سيبقى العراق مطالبًا بالحفاظ على سياسة التوازن في ظل استمرار التنافس الإقليمي وتعدد المصالح المتقاطعة داخل الساحة العراقية
اقتصاديًا، يمكن أن يسهم تحسن العلاقات السورية–التركية في تنشيط حركة التجارة البرية ورفع كفاءة شبكات النقل الإقليمية، بما ينعكس إيجابًا على العراق باعتباره حلقة وصل بين الخليج وتركيا وأوروبا كما أن استقرار الشمال السوري قد يعزز فرص تطوير المعابر الحدودية وإحياء مشاريع الربط السككي والطرق الدولية، وهو ما يتقاطع مع أهداف مشروع طريق التنمية الذي تسعى بغداد إلى توظيفه بوصفه ممرًا استراتيجيًا للتجارة الإقليمية والدولية. وبالتالي، فإن نجاح التقارب السوري–التركي قد يهيئ بيئة أكثر ملاءمة لتكامل مشاريع النقل واللوجستيات في المنطقة.
إقليميًا، قد يؤدي التقارب السوري–التركي إلى إعادة صياغة موازين النفوذ في المشرق، بما ينعكس بصورة غير مباشرة على العراق فمن جهة، يمنح التقارب أنقرة مساحة أوسع لتعزيز حضورها السياسي والأمني والاقتصادي في سوريا، وهو ما قد يمتد تأثيره إلى الساحة العراقية، ولا سيما في المناطق الحدودية وملفات التجارة والطاقة ومن جهة أخرى، قد يحد هذا التقارب من بعض مساحات النفوذ الإيراني في سوريا، الأمر الذي قد يدفع طهران إلى إعادة ترتيب أدواتها وتحالفاتها الإقليمية، بما فيها العراق وعليه، فإن بغداد ستكون مطالبة بإدارة هذه التحولات وفق سياسة خارجية متوازنة، تضمن حماية مصالحها الوطنية وتجنب الانخراط في الاستقطابات الإقليمية.
