
وينص الاتفاق على أن أي عدوان على إحدى الدول الثلاث سيُعامل باعتباره عدوانًا على الدول الأخرى، وهو ما يمنحه، من الناحية النظرية، قيمة ردعية تتجاوز الاتفاقيات التقليدية للتعاون العسكري. وقد أشارت صحيفة Le Monde، في تقريرها المنشور في 8 آب، إلى أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي وقدرات الردع للدول الثلاث في مواجهة التحولات الأمنية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط[1].
وتكمن أهمية الاتفاق في أنه يجمع بين ثلاث قوى تمتلك عناصر قوة مختلفة ومتكاملة نسبيًا: المملكة العربية السعودية بثقلها الاقتصادي والسياسي وموقعها المحوري في الخليج، وتركيا بقوتها العسكرية وصناعتها الدفاعية المتطورة وموقعها الجغرافي، وباكستان بقدراتها العسكرية الكبيرة وامتلاكها السلاح النووي.
ومن ثم، فإن القيمة الاستراتيجية للاتفاقية لا تكمن في عدد الدول الموقعة عليها فحسب، وإنما في إمكانية الجمع بين موارد القوة المختلفة داخل إطار واحد للتنسيق والردع.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية التحليل الفرنسي، إذ إن الاتفاقية لم تأتِ من فراغ، بل جاءت في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة نظر واسعة في التوازنات الأمنية. وقد وصفت Le Monde الاتفاقية بأنها تحمل رسائل استراتيجية تتجاوز أطرافها الثلاثة، وربطتها مباشرة بالتغيرات الكبرى التي أعقبت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في 28 شباط من العام 2026م[2].
هل نحن أمام (محور سني) جديد؟
وقد أثار توقيع الاتفاقية تساؤلات واسعة حول إمكانية تحولها إلى ما يمكن تسميته (محورًا سنيًا) في مواجهة إيران. وليس من الصعب تفسير هذا الطرح، فالدول الثلاث تنتمي إلى المجال الإسلامي السني، كما أن الاتفاق جاء في مكة المكرمة، وفي ظل بيئة إقليمية ما زالت تتأثر بالتنافس السعودي-الإيراني.
لكن وصف الاتفاقية بأنها (محور سني) ينبغي التعامل معه باعتباره توصيفًا تحليليًا لا تسمية رسمية للتحالف. فالدول الثلاث لم تقدم الاتفاقية باعتبارها تحالفًا مذهبيًا موجهًا ضد إيران، وإنما باعتبارها إطارًا للدفاع المشترك وتعزيز الأمن الجماعي.
ومع ذلك، فإن البعد الهوياتي لا يمكن تجاهله بالكامل. فقد أشارت صحيفة لوموند الفرنسية في تحليلها المنشور في 12 آب إلى أن الاتفاق يجمع ثلاث قوى سنية على أساس هوية إسلامية مشتركة، وأنه يحمل انعكاسات تتجاوز الشرق الأوسط لتصل إلى جنوب آسيا، ولا سيما بالنسبة إلى الهند[3].
ومن هنا، فإن الأدق ربما أن نتحدث عن تكتل أمني ذي خلفية إسلامية مشتركة، بدل الجزم بأن (محورًا سنيًا) قد وُلد بالفعل. فالعلاقات الدولية لا تتحرك وفق الانتماءات المذهبية وحدها، وإنما تتشكل في ضوء المصالح الوطنية والحسابات الجيوسياسية والالتزامات الدولية.
لماذا مكة؟ ولماذا الآن؟
لا يخلو اختيار مكة المكرمة مكانًا لتوقيع الاتفاقية من دلالة رمزية وسياسية. فمكة ليست مجرد مكان للتوقيع، وإنما تمثل المرجعية الروحية الأهم في العالم الإسلامي، الأمر الذي يمنح الاتفاقية بعدًا رمزيًا يتجاوز مضمونها العسكري المباشر.
أما توقيتها، فإنه أكثر أهمية من مكانها. فقد جاءت في ظل مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، تتسم بإعادة تشكيل موازين القوى، وعودة التهديدات المرتبطة بالصراعات الإقليمية، واستمرار المخاوف من تداعيات النفوذ الإيراني، فضلًا عن التوترات الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو الاتفاقية مجرد رد فعل على حادث أمني بعينه، وإنما جزءًا من محاولة أوسع لإعادة بناء مفهوم الردع الإقليمي.
إيران في قلب الحسابات السعودية
وعلى الرغم من أن الاتفاقية لا تسمي إيران خصمًا مباشرًا، فإن طهران ستكون بالتأكيد واحدة من أكثر العواصم متابعةً لتطوراتها. فالمملكة العربية السعودية تنظر إلى البيئة الأمنية المحيطة بها من خلال مجموعة واسعة من التهديدات، بعضها مباشر وبعضها غير مباشر، يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر مرورًا بالعراق واليمن.
ويمنح الاتفاق الرياض فرصة لرفع كلفة أي تهديد محتمل، أو على الأقل لإرسال رسالة سياسية مفادها أن السعودية لم تعد ترغب في التعامل مع أمنها من خلال ترتيبات ثنائية محدودة، بل تسعى إلى بناء شبكة أوسع من الشراكات.
غير أن ذلك لا يعني أن الاتفاقية ستقود تلقائيًا إلى مواجهة مع إيران. فالمملكة العربية السعودية نفسها عملت خلال السنوات الماضية على إدارة العلاقة مع طهران من خلال الدبلوماسية والحوار، الأمر الذي يجعل الاتفاقية أقرب إلى أداة لتعزيز موقع الرياض التفاوضي والردعي منها إلى إعلان مواجهة مفتوحة.
وتنسجم هذه القراءة مع تحليل صحيفة لوموند الفرنسية في 10 آب، الذي رأى أن الاتفاقية تحمل رسائل استراتيجية مهمة في ضوء إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية عقب الحرب على إيران، وأنها لا ينبغي التقليل من شأنها حتى وإن بقيت حدودها العملية موضع اختبار[4].
تركيا… قوة إقليمية بين الطموح والالتزام
فيما يمثل انضمام تركيا إلى الاتفاقية أحد أكثر عناصرها أهمية. فأنقرة ليست قوة شرق أوسطية فحسب، وإنما دولة ذات امتداد جغرافي وسياسي يمتد إلى أوروبا والقوقاز وآسيا الوسطى، فضلًا عن كونها عضوًا في حلف شمال الأطلسي.
وتملك تركيا قدرات عسكرية متقدمة وصناعة دفاعية أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أدوات سياستها الخارجية. ومن ثم، فإن وجودها في الاتفاقية يضيف إليها بعدًا عسكريًا وتقنيًا لا توفره القدرات السعودية أو الباكستانية منفردة.
لكن في المقابل، فإن عضوية تركيا في الناتو تفرض عليها حسابات دقيقة. إذ لا يمكن افتراض أن أنقرة ستدخل في أي صراع إقليمي لمجرد تعرض أحد حلفائها لتهديد، من دون النظر إلى مصالحها والتزاماتها الدولية وطبيعة الأزمة نفسها.
لذلك، فإن قوة تركيا داخل الاتفاقية قد تكون في الوقت نفسه مصدرًا لقوتها ومصدرًا لبعض القيود المفروضة على تطورها.
باكستان… بين الردع النووي وحسابات الجوار
وتضيف باكستان إلى الاتفاقية عنصرًا استراتيجيًا بالغ الأهمية يتمثل في امتلاكها السلاح النووي، فضلًا عن جيش كبير وخبرة عسكرية واسعة.
لكن قوة باكستان لا تعني أن التزاماتها ستكون بلا حدود. فإسلام آباد ترتبط بحسابات معقدة تجاه الهند وإيران وأفغانستان، كما أن سياستها الخارجية تقوم على تحقيق توازن دقيق بين مصالحها الوطنية وشراكاتها الدولية.
وهنا يصبح من الضروري التمييز بين الردع السياسي والالتزام العسكري الفعلي. فقد تتفق الدول الثلاث على اعتبار الاعتداء على إحداها اعتداءً على الجميع، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل أزمة ستقود إلى تدخل عسكري مباشر من الأطراف الأخرى.
وقد كانت التحولات في موقع باكستان الإقليمي واضحة حتى قبل توقيع الاتفاقية. ففي سلسلة تحليلات نشرها (معهد مونتين) الفرنسي في تموز من العام 2026م، تناول الباحث (كريستوف جافريلوت) إعادة التموضع الاستراتيجي لباكستان، وعلاقتها بالتحولات الجارية في الشرق الأوسط، وبعلاقاتها مع إيران والولايات المتحدة والصين[5].
وهذا يعني أن دخول إسلام آباد في اتفاقية مكة ينبغي أن يُقرأ أيضًا ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز موقعها الإقليمي والدولي، وليس فقط في إطار العلاقة الثنائية مع الرياض.
هل تحتاج المملكة العربية السعودية إلى هذه الاتفاقية رغم المظلة الأمريكية؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن الاتفاقية تطرح بديلًا عن المظلة الأمنية الأمريكية، لكن هذه القراءة تبدو مبالغًا فيها. فالمملكة العربية السعودية لا تستطيع، في المدى المنظور، الاستغناء عن الولايات المتحدة الامريكية كشريك أمني وعسكري رئيسي.
لكن الرياض لا تبدو راغبة أيضًا في الاعتماد على شريك واحد. ومن هنا تكتسب الاتفاقية أهميتها بوصفها جزءًا من سياسة تنويع الشراكات الأمنية.
فالمملكة العربية السعودية تستطيع، من خلال الجمع بين الشراكة الأمريكية والتعاون التركي والباكستاني، أن توسع هامش المناورة الاستراتيجية لديها، وأن تقلل من درجة اعتمادها على طرف واحد في إدارة أمنها.
وبذلك، لا ينبغي النظر إلى اتفاقية مكة باعتبارها بديلًا عن واشنطن، وإنما باعتبارها محاولة لبناء مظلة أمنية متعددة المستويات، تكون فيها الولايات المتحدة الامريكية شريكًا أساسيًا، من دون أن تكون الشريك الوحيد.
هل يمكن أن تتوسع الاتفاقية؟
يبقى السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو مستقبل الاتفاقية: هل ستظل ثلاثية أم تتحول إلى إطار أمني أوسع؟
من الطبيعي أن تبرز أسماء مثل: مصر وقطر والكويت والبحرين في أي نقاش مستقبلي حول توسيع الاتفاقية، لكن انضمام هذه الدول ليس أمرًا بسيطًا، فلكل منها علاقاته الدولية وحساباته الأمنية والتزاماته الخاصة.
وقد يكون توسيع الاتفاقية مفيدًا من ناحية زيادة قدراتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى تعقيد عملية اتخاذ القرار، وربما إلى تضارب في أولويات الأمن القومي بين الدول الأعضاء.
ولهذا قد يكون من الأفضل للدول الثلاث في المرحلة الأولى أن تعمل على تعميق الاتفاقية بدل توسيعها سريعًا، من خلال إنشاء آليات مؤسسية للتنسيق السياسي والعسكري، وتبادل المعلومات، والتدريب المشترك، والتعاون في الصناعات الدفاعية.
الهند… المستفيد غير المباشر من النقاش أم المتضرر المحتمل؟
من الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها التحليل أن يحصر تداعيات الاتفاقية في الشرق الأوسط فقط. فوجود باكستان في الاتفاقية يمنحها بعدًا آسيويًا واضحًا.
وقد أبرزت صحيفة لوموند الفرنسية في تحليلها المنشور في 12 آب أن الاتفاقية يمكن أن تؤثر في موازين القوى في جنوب آسيا، وأن تعزيز موقع باكستان من خلال شراكتها مع السعودية وتركيا قد يثير مخاوف في الهند، خصمها التاريخي[6].
وبذلك، فإن اتفاقية مكة ليست اتفاقًا شرق أوسطيًا صرفًا، إذ إن امتدادها الجيوسياسي يصل إلى جنوب آسيا، ويضع باكستان في موقع أكثر أهمية ضمن شبكة التحالفات المتغيرة.
وهذا التطور قد يدفع الهند بدورها إلى إعادة تقييم بعض خياراتها الإقليمية، ولا سيما علاقاتها مع دول الخليج وتركيا والقوى الكبرى.
اتفاقية حقيقية أم استعراض سياسي؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية.
فالتاريخ الحديث للشرق الأوسط حافل بالاتفاقيات والتحالفات التي بدت قوية عند لحظة إعلانها، لكنها واجهت لاحقًا صعوبة في الانتقال من البيانات السياسية إلى المؤسسات الفعلية.
ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لاتفاقية مكة ستتحدد وفق ما ستنتجه خلال الأشهر والسنوات المقبلة من ترتيبات عملية: هل ستنشأ آليات دائمة للتنسيق العسكري؟ هل ستجرى تدريبات مشتركة؟ هل ستتوسع الصناعات الدفاعية المشتركة؟ هل ستتبادل الدول الثلاث المعلومات الاستخبارية؟ وهل ستكون هناك آلية واضحة لاتخاذ القرار في حالة تعرض إحدى الدول لعدوان؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن الاتفاقية قد تتحول تدريجيًا إلى أحد مكونات النظام الأمني الجديد في المنطقة.
أما إذا بقيت في حدود التضامن السياسي والرمزية الدبلوماسية، فإن تأثيرها سيظل محدودًا، وإن لم يكن معدومًا.
الخاتمة
تكشف اتفاقية مكة، قبل كل شيء، عن حقيقة أعمق من مجرد إنشاء إطار دفاعي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان: الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من إعادة تعريف الأمن والتحالفات ومصادر القوة.
فالمملكة العربية السعودية تبحث عن تنويع خياراتها الأمنية، وتركيا تسعى إلى ترسيخ موقعها بوصفها قوة إقليمية مؤثرة، وباكستان تعمل على استثمار موقعها وقدراتها العسكرية لتعزيز حضورها في بيئة جيوسياسية آخذة في التحول. وفي المقابل، تراقب إيران والهند وإسرائيل والولايات المتحدة هذه المعادلة الجديدة، كل منها من زاوية مصالحه وحساباته الخاصة.
ومن هنا، فإن اختزال الاتفاقية في مفهوم (محور سني) قد يكون جذابًا من الناحية الإعلامية، لكنه لا يستوعب كامل أبعادها الاستراتيجية. فالمسألة تتجاوز الانتماء المذهبي إلى إعادة ترتيب شبكات القوة والردع والشراكات في الإقليم.
كما أن الاتفاقية لا تعني نهاية المظلة الأمنية الأمريكية، ولا تؤشر بالضرورة إلى نشوء (ناتو إسلامي)، وإنما تبدو، في مرحلتها الراهنة، محاولة لبناء شبكة ردع إقليمية أكثر تنوعًا، تستطيع الدول الثلاث من خلالها توسيع خياراتها وتقليل هشاشتها أمام التحولات المفاجئة.
والاختبار الحقيقي لن يكون في الكلمات التي أُعلنت في مكة، وإنما في قدرة الرياض وأنقرة وإسلام آباد على تحويل تلك الكلمات إلى مؤسسات وآليات وقدرات. فإذا نجحت في ذلك، فقد تصبح اتفاقية 7 آب من العام 2026م، نقطة فاصلة في مسار إعادة تشكيل الأمن الإقليمي. أما إذا بقيت حدودها عند مستوى الرسائل السياسية، فسوف تُذكر باعتبارها لحظة رمزية في زمن التحولات، لا باعتبارها ولادة تحالف استراتيجي مكتمل.
وبين الاحتمالين، تبدو الحقيقة أكثر تعقيدًا: فمكة لم تشهد بالضرورة ولادة حلف جديد، لكنها شهدت بالتأكيد بداية اختبار جديد لمعادلات القوة والردع في الشرق الأوسط.
الهوامش:
- Jean-Paul Ghoneim, « Arabie saoudite, Pakistan, Turquie : un accord tripartite pour quoi faire ? », IRIS – Institut de relations internationales et stratégiques, 10 août 2026.
2.Ghazal Golshiri, Marie Jégo et Sophie Landrin, « L’Arabie saoudite, la Turquie et le Pakistan scellent à La Mecque une alliance de défense inédite », Le Monde, 8 août 2026.
3.Accord de défense entre l’Arabie saoudite, le Pakistan et la Turquie : les messages du pacte signé à La Mecque, Le Monde, 10 août 2026.
4.Sophie Landrin, « L’Inde fragilisée par l’accord de défense entre le Pakistan, l’Arabie saoudite et la Turquie », Le Monde, 12 août 2026.
5.Christophe Jaffrelot, « [Le grand jeu du Pakistan] – Au cœur des réalignements stratégiques du Moyen-Orient », Institut Montaigne, 15 juillet 2026.
6.Christophe Jaffrelot, « [Le grand jeu du Pakistan] – De l’Iran à l’Afghanistan : Islamabad face aux défis de son voisinage », Institut Montaigne, 10 juillet 2026
[1] –
[2] –
[3] –
[4] –
[5] –
[6] –